الصفحة 28 من 72

ذهب جمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى إلى أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة وكان قليلا ولم تغيره فانه يمنع التطهر به ، لأنه بمجرد الوقوع صار نجسا ويستدلون على ذلك بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"وفي لفظ"لم ينجس"فقالوا إن مفهوم هذا الحديث يفيد أن الماء إذا كان اقل من قلتين فانه يحمل الخبث ؛ وذهب بعض من أهل العلم إلى خلاف هذا وقالوا إن الماء سواء كان قليلا أو كثيرا فانه لا ينجس إلا بالتغير بالنجاسة ، واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا:"إن الماء طهور لا ينجسه شئ"وأجابوا عن الاستدلال بالحديث الأول بعدة أشياء: منها: انه استدلال بالمفهوم وحديث أبي سعيد منطوق وقد تقرر في الأصول أن المنطوق مقدم على المفهوم عند التعارض، ومنها: بعدم التسليم أن مفهوم حديث هو ما فهمه أصحاب القول الأول وإنما المراد به أن ما دون القلتين تكون مظنة جملة للنجاسة اغلب مما هو فوق القلتين ولكن مجرد هذه الأغلبية لا تقتضي إخراج الماء من دائرة الطهورية إلى دائرة النجاسة بمجرد ذلك بل لا بد فيه التغير المحقق ومنها: أن المتقرر في الأصول أن المفهوم لا عموم له، فيصدق المفهوم لو وقعت هذه الصورة ولو مرة واحدة فلا يلزم من تحقق المفهوم فيما كل ماء دون القلتين وهذا هو المراد بقولهم: المفهوم لا عموم له وبهذه الأجوبة تعرف أن المفهوم هذا لا يصلح أن يكون مخرجا للماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة من أصل الطهورية، ويضاف إلى هذا أن أهل العلم القائلين بالتحديد قد اختلفوا في حد القليل و الكثير اختلاف كثيرا، والذين حددوه بالقلتين قد اختلفوا أيضا في حد القلتين اختلاف كثيرا ، وبه تعلم أن الأقرب في هذه المسألة إن شاء الله تعالى هو أن الماء سواء كان قليلا أو كثيرا فانه لا ينجس إلا إذا غيرته النجاسة والله ربنا أعلى و اعلم 0

(فصل)

الفرع الحادي عشر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت