الثَّانِيَ لَزِمَ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ ؛ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . فَهَذَا فِي دَلِيلِهِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ ؛ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ: عَلَى أَنَّ اسْمَ الْوُجُودِ حَقِيقَةٌ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الِاشْتِرَاكَ . وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا . وَالْأُولَى فِيهَا نِزَاعٌ ؛ خِلَافُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ . فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ اسْمٍ تَسَمَّى بِهِ الْمَخْلُوقُ لَا يُسَمَّى بِهِ الْخَالِقُ إلَّا مَجَازًا حَتَّى لَفْظِ الشَّيْءِ وَهُوَ قَوْلُ جَهْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ وَهَؤُلَاءِ لَا يُسَمُّونَهُ مَوْجُودًا وَلَا شَيْئًا ؛ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ . وَمِنْ النَّاسِ مَنْ عَكَسَ وَقَالَ: بَلْ كُلَّمَا يُسَمَّى بِهِ الرَّبُّ فَهُوَ حَقِيقَةٌ ؛ وَمَجَازٌ فِي غَيْرِهِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ النَّاشِي مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ . وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ؛ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ قَالُوا: إنَّهُ مُتَوَاطِئٌ التَّوَاطُؤَ الْعَامَّ ؛ أَوْ مُشَكِّكًا إنْ جَعَلَ الْمُشَكِّكَ نَوْعًا آخَرَ ؛ وَهُوَ غَيْرُ التَّوَاطُؤِ الْخَاصِّ الَّذِي تَتَمَاثَلُ مَعَانِيهِ فِي مَوَارِدِ أَلْفَاظِهِ . وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا شِرْذِمَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ وَلَا نُظَّارٍ مَشْهُورِينَ . وَمَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا حَكَاهُ الرَّازِيَّ فَقَدْ غَلِطَ ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ الرَّجُلِ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ: أَنَّ الْوُجُودَ اسْمٌ عَامٌّ يَنْقَسِمُ إلَى: قَدِيمٍ ؛ وَحَادِثٍ وَلَكِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ وُجُودَ كُلِّ شَيْءٍ عَيْنُ مَاهِيَّتِه وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ فَظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ [ أَنْ يَكُونَ ] اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا كَمَا احْتَجَّ بِهِ الآمدي وَذَلِكَ غَلَطٌ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ يَتَبَيَّنُ بِالْكَلَامِ عَلَى حُجَّتِهِ . وَقَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْوُجُودِ دَالًّا عَلَى الذَّاتِ ؛ أَوْ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ . يُقَالُ لَهُ: أَتُرِيدُ بِهِ لَفْظَ الْوُجُودِ الْعَامِّ الْمُنْقَسِمِ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ؛ أَمْ لَفْظَ الْوُجُودِ الْخَاصِّ ؟ كَمَا يُقَالُ: وُجُودُ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الرَّبُّ وَغَيْرُهُ - بَلْ كُلُّ مُسَمَّيَيْنِ - تَارَةً تُعْتَبَرُ مُطْلَقَةً عَامَّةً تَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ ؛ وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مُقَيَّدَةً بِهَذَا الْمُسَمَّى . وَلَفْظُ الْحَيِّ وَالْعَلِيمِ ؛ وَالْقَدِيرِ ؛ وَالسَّمِيعِ ؛ وَالْبَصِيرِ وَالْمَوْجُودِ ؛ وَالشَّيْءِ ؛ وَالذَّاتِ: إذَا كَانَ عَامًّا يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَإِذَا قِيلَ: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ: لَمْ يَتَنَاوَلْ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ كَمَا إذَا قِيلَ: { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } لَمْ يَدْخُلْ الْخَالِقُ فِي اسْمِ هَذَا الْحَيِّ . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ ؛ وَالْكَلَامُ ؛ وَالِاسْتِوَاءُ ؛ وَالنُّزُولُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: تَارَةً يُذْكَرُ مُطْلَقًا عَامًّا: وَتَارَةً يُقَالُ: عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ ؛ وَكَلَامُهُ ؛ وَنُزُولُهُ ؛ وَاسْتِوَاؤُهُ: فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْخَالِقِ ؛ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْمَخْلُوقُ . كَمَا إذَا قِيلَ: عِلْمُ الْمَخْلُوقِ وَقُدْرَتُهُ: وَكَلَامُهُ ؛ وَنُزُولُهُ ؛ وَاسْتِوَاؤُهُ فَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْمَخْلُوقِ وَلَا يَشْرَكُهُ فِيهِ الْخَالِقُ . فَالْإِضَافَةُ أَوْ التَّعْرِيفُ خَصَّصَ وَمَيَّزَ وَقَطَعَ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ لَفْظُ الْوُجُودِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: وُجُودُ الْوَاجِبِ وَوُجُودُ الْمُمْكِنِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ . فَإِذَا قِيلَ: وُجُودُ الْعَبْدِ وَذَاتُهُ وَمَاهِيَّتُه وَحَقِيقَتُهُ كَانَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ دَالًّا عَلَى ذَاتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهِ . وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: وُجُودُ الرَّبِّ وَنَفْسِهِ ؛ وَذَاتُهُ ؛ وَمَاهِيَّتُه وَحَقِيقَتُهُ: كَانَ دَالًّا عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ: وَهُوَ نَفْسُهُ الْمُتَّصِفَةُ بِصِفَاتِهِ