إن هذه الصور المعروضة تجمع تحتها معظم إن لم يكن كل آحاد المسائل الطبية المتعلقة بالوارد إلى البدن إن شاء الله، وتبقى بعض المسائل المتعلقة بالخارج من البدن أرجئ الكلام عليها إلى موضعها وهي تتعلق بالقيء والمني والدم وما في حكمه.
ثالثًا: تحرير مناطات الحكم بالفطر فيما يتعلق بالمداخلات الطبية:
سوف أستعرض فيما يلي جملةً من أقوال الفقهاء في هذه المسائل مع التأكيد والتنبيه على أن الفقهاء المتقدمين لم يكونوا بمعزل عن علوم الطب واستشارة أهل الخبرة في الطب حينما كانوا يجتهدون في تخريج المسائل، وإنه لمن القصور أن يعتقد البعض اليوم أن فقهاءنا المتقدمين كانوا من السذاجة بحيث يخوضون بغير علم أو يُلزمون الأمة بما لا يلزم، فوالله لقد كانوا أورع وأعلم من ذلك رحمهم الله رحمة واسعة ولا نزكي على الله أحدًا، ووالله إننا اليوم وفي ذروة العلوم والمعارف الطبية والعلمية لا نزال عالة على فقه المتقدمين من علماء هذه الأمة، وإننا لا نزال نُخرِّج أفراد النوازل على ضوابط وضعوها بتوفيق الله وفضله عليهم منذ قرون عديدة، وإن أحدنا ليقرأ كلام الإمام ابن قدامة في المغني حول مسألة الحقن في الإحليل فتجده - مبينًا علة عدم الحكم بكون ذلك مفطرًا كما عليه المذهب (أي الحنبلي) - يقول:"ولنا أنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ وإنما يخرج البول رشحًا فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف فلا يفطره" [1] فتحسب أنه يتكلم في كتاب طب لا كتاب فقه، ناهيك عن أن كلامه صحيح عمومًا من وجهة النظر التشريحية والوظيفية مما يدل على أن هؤلاء الفقهاء كانوا يسألون أهل الطب عن الطب وأهل كل فن عن فنهم قبل الحكم والفتيا، فلا يستعجلن أحد اليوم برمي الفقهاء المتقدمين بالفتيا بدون علم - وهذا يشمل علم الشريعة وعلم الطب المعروف في زمانهم بالرجوع إلى أهل الفن- فإن هذه تهمة يكذبها واقع الحال ويكذبها ما منَّ الله تعالى به على هؤلاء العلماء من توفيق وبركة في علومهم حتى حفظت إلى اليوم، وإن كثيرًا مما نمارسه في الطب اليوم علاجًا وتشخيصًا ليس بذاك الذي لم يكن معروفًا أو متصورًا في زمانهم كما هو معروف لمن قرأ كتب الفقهاء والأطباء في ذلك الزمان، ولسوف يظهر ذلك مما بين أيدينا من نصوص كلام الفقهاء رحمة الله عليهم أجمعين.
وبالنسبة إلى محل النزاع المذكور آنفًا فإنه يندرج في الحقيقة تحت أمرين أحدهما اعتبار غير المغذي مفطرًا أم لا والثاني اعتبار الدخول عن غير طريق الفم مفطرًا أم لا، وإن السبر والتقسيم بناء على هذين الاعتبارين ينتهي بنا إلى الصور التالية:
أ. أن يدخل البدن الطعام والشراب وما يتغذى به عن طريق الفم (المنفذ الطبيعي المعتاد) .
ب. أن يدخل البدن ما ليس بطعام ولا شراب ولا يغتذى به عن طريق الفم.
(1) المغني - ابن قدامة - 4/ 182