الصفحة 46 من 225

ومن هذا قال الحافظ ابن الصلاح:"وإذا فرغ ـ الطالب ـ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده، فليرحل إلى غيره". نعم: فليرحل بصيغة الأمر وذلك لما لمسوه من فوائد الرحلة وآثارها النافعة في تكوين المواهب الشخصية، وتنمية المدارك العلمية وتوسعة الآفاق الفكرية، والتطاعم بين العقول والمعارف وأهليها فلذا أقاموها مقام الحاجة الضرورية لمن سلك طريق العلم والتحصيل، واعتبروها شرطاً لتوثيق العالم والثقة بعلمه.

فنشأ من ذلك هذه الرحلات الواسعة، والأسفار الشاسعة والسنوات الطوال تقضي من أعمار هؤلاء الراحلين، بعيدين عن الأهل والولد، والزوجة والبلد، متفرغين لتلقي العلم ولقاء العلماء، ومشافهتهم ومشامتهم وتعرف ما عندهم، والانتساب إليهم، والاعتراف من معينهم ...

وقد صارت هذه الرحلات لدى العلماء السابقين جزءاً أصيلاً من حياتهم العلمية، ورحل العلماء من أهل كل علم، فرحل المفسر والمحدث، والفقيه والأصولي، واللغوي، والنحوي، والأديب، والمؤرخ، والزاهد، والعابد، والشاب، والشيخ، والكبير، والصغير، والوليد! رَحَلُوا ورحَّلُوا معهم الوليد الذي دون أربع سنين أو ما فوقها، كما تراه في تراجم كثير من العلماء الكبار، ومنهم الإمام أبو سعد السمعاني.

وقد لقي الرحَّالون في أسفارهم متاعب ومصاعب، وألاقي وشدائد لا تحصى، دون عنهم بعضها، وذهب بعضها دون تدوين، فهذا الذي تراه في كتب التراجم من أخبارهم في الرِّحَلِ بعض ما كان وليس كل ما كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت