الصفحة 45 من 225

مائزين الأثر: صحيحه من سقيمه، وقويه من ضعيفه، بألباب حازمة، وآراء ثاقبة، وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراع الملحدين، وافتراء الكاذبين.

فلو رأيتهم في ليلهم، وقد انتصبوا النسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين الفرش الوطي، والمضجع الشهي، غشيم النعاس فأنامهم، وتساقط من أكفهم أقلامهم، فانتبهوا مذعورين! قد أوجع الكد أصلابهم، وتيه السهر ألبابهم، فتمطوا ليريحوا الأبدان، وتحولوا ـ عن مرقدهم ـ ليفقدوا النوم من مكان إلى مكان، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عاد إلى الكتابة حرصاً عليها، وميلاً بأوائهم إليها: لعلمت أنهم حراس الإسلام، وخزان الملك العلام.

فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم انصرفوا قاصدين ديارهم فلزموا المساجد وعمروا المشاهد، لابسين ثوب الخضوع مسالمين ومسلمين، يمشون على الأرض هوناً لا يؤذون جاراً ولا يقارفون عاراً حتى إذا زاغ زائغ أومرق من الدين مارق خرجوا خروج الأسد من الآجام، يناضلون عن معلم الإسلام. انتهى.

ثم قال أبو غدة تعقيباً:

ذلك، لأنهم جعلوا"الرحلة"مناط الثقة بالعالم، فقالوا كلمتهم المشهورة:"من لم يرحل فلا ثقة بعلمه". وقديماً قال الإمام يحيى بن معين:"أربعة لا تؤنس منهم رشداً أي لا تبصر منهم خيراً ولا نفعاً، وذكر الثلاثة، ثم قال:"ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث"."

أورده الحافظ ابن الصلاح في كتابه"معرفة أنواع علوم الحديث" (ص210) في (النوع الثامن والعشرين: معرفة آداب طالب الحديث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت