الصفحة 39 من 86

لقد استعمل العرب جريد النخل الأخضر للكتابة وتفننوا في دِقَّتِه وبَرْيِهِ بالشكل والحجم الذي فيه يرغبون، فلما أعزّهم الله بالإسلام الذي حثَّ على طلب العلم، ودعا للكتابة والقراءة والتدوين؛ استعملوا القصب في الخط، واتخذوا أقلامهم منه. ثم رأوا بعد توسع الفتوحات الإسلامية أن القصب يختلف من مِصر إلى مِصر، وأن قساوته وليونته تساعد الخطّاط والكاتب في جودة الخط وإتقانه، وتبيّن لهم أن القصب الفارسي هو أفضل أنواع القصب، لأنه (يكون صلبًا قويًا مدوّرًا سليمًا غير معقد ويكون لون قشرته أحمر ضاربًا للسواد) . ( )

وقد كان الخطاطون يميزّون بين قصب أيّ قُطر وآخر، ويميزون بين صحيحه من سقيمه، ولذلك نرى ذا الرُّمة يصف قلم القصب، ثم يشبّهه بأنف الطير جمالًا ودِقَّة فيقول:

كأن أنوف الطير في عرصاتها

... ... خراطيم أقلام تخطُّ وتُعجم ( )

وكان هذا النوع من القصب يُزرع، أو ينبت في الهند وبلاد فارس، فكان التجار يجلبونه إلى العراق والشام مع ما يجلبون من بضائع تلك البلاد إلى بلاد العلم، فيتلقّفه الورّاقون والكتبة في أسواق الكتب في مدن العراق والشام ومصر والأندلس.

وبعد أن برعوا في صناعة الورق والحبر اخترعوا قلم الحبر السائل، الذي يمتاز بخزان صغير للحبر وقبضة، وله ريشة مدببة. وقد استُعمل هذا القلم لأول مرة في مصر، وكتب به المعز لدين الله الفاطمي. ثم تفننوا في صناعة الأقلام والمحابر وطوّروها، لكن الخطاطين مازالوا يخطّون بالقصب لأسباب كثيرة، قد لا تتوفر في أي قلم آخر من المعدن، أو أية ريشة من مادة أخرى.

فالريشة المعدنية تفرض على الخطاط عرض الخط، بينما يتصرف الخطاط في ريشة القصب بالشكل الذي يرغب؛ من حيث البري والقط، ولأن القصب من تركيبه النعومة والسلاسة، ووجود المسامات فيه تسمح بنزول الحبر قليلًا قليلًا، وبقدر ما يكتب الخطاط ويستهلك من الحبر المخزّن فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت