هل استشعرت الرحيل القادم ، و جاءت تلقي النظرة الأخيرة ..؟ لم أر امرأة تحب رجلا ، مثل حب أمي لأبي .. دون أن تصوغ في ذلك قصيدة . كنت أقرأ في عينيها ، و هي تنظر إليه .. أجمل القصائد . قاسمته الحياة بأفراحها و أتراحها .. و حين تعاقب عليهما البلاء ، في السنوات العشر الأخيرة ، كنت أعجب منهما كِلَيهِما: صبرهُ الجبار ، و رضاها بالقدر . كلما اشتد عليه البلاء .. زاد تماسكا ، و كلما اشتد عليها البلاء .. زادت شفافية ، حتى أكاد أجزم ، أني ارى بعينيّ.. قلبها موصولًا بالسماء .
الثلاثاء 19 رمضان 1425 هـ:
عصر يوم الاثنين ، كان قد هاتفني أحد الأصدقاء ، و دعاني إلى لقاء في منزل أحد الأعيان ، على شرف شخصية ثقافية من دولة عربية . لم أكن مستعدا نفسيا ، للقاء مثل هذا .. و اعتذرت . والدي يملأ قلبي و خاطري .. فكيف أستطيع الحضور ، و المشاركة ..؟ أصرّ عليّ .. بحجة أن حضوري مهم ، و أن صاحب المنزل ، حريص على حضوري .
أوصلتُ والدتي للبيت ، بعد خروجنا من المستشفى ذاك المساء ، و توجهت إلى منزل صاحب الدعوة . كانت الساعة تقترب من منتصف الليل .
في منزل المضيف ، انهمكنا في نقاش ، حول هموم (وطنية) ,, و قضايا (الإصلاح) ، التي أصبحت مطلبا على مختلف الصعد . يتفق الجميع على أهمية ، ووجوب الشروع بتنفيذها .. و تختلف الرؤى .
كنتُ أتحدث ، و قلبي هناك .. في المستشفى ، مع رجل .. أنا مدينٌ له بكل شيء .. من شكل (الإنسان) ، إلى معنى (الرجل) ..!
رجلٌ ملأني كرامة و عزة .. و امتلأت بوجوده إلى جانبي ، ثقةً و أملًا ..
في الساعة الواحدة و عشر دقائق ، من صباح الثلاثاء .. دقّ جوالي . تناولته من جيبي ، و صرتُ أتأمل رقم المتصل .. لم أعرفه . وضعتُ نظارة القراءة على عيني ، و تأكدتُ أن الرقم غريب .. ثابت ، و ليس جوالًا . حين أجبت .. جاءني الصوت:
-فلان ..؟
-نعم ..