مررتُ عليه بعد العصر ، في موعد الزيارة الأول .. بدا ساكنا . نظرتُ إلى جهاز الضغط ، كانت القراءة تتراوح بين (69-71) . أقل من أمس بدرجتين . سألتُ الممرضة .. فَتَمَعّنت في البيان الذي بين يديها ، و قالت أنه تعرض لأزمة هذا الصباح ، حيث نزل ضغطه إلى حدود الـ (60) . لم أشأ أن أطلب الطبيب .. في عينيه صرت أقرأ الحقيقة ، التي يحاول ان يخفيها عني:
والدك يحتاج إلى معجزة ..! أمس .. قالها صريحة ، لقد أصبح في وضع المساندة القصوى .. (المَاكْسِيمَمْ سَبّوُرتْ) ..
خرجت من عنده ، و بدأت أفكار الغياب و الرحيل .. تسيطر عليّ .
جئتُ الوالدة بعد المغرب .. سلمتُ عليها ، و سألتني عنه . أخبرتها أن حالته لم تتغير ، ثم رويتُ حوارا (اختلقته) ، بيني و بين الطبيب . قلتُ لها أن الطبيب يقول: عليكم أن تؤمنوا أن العلاج ، ليس إلا سببًا .. لا يصنع شيئا ، أمام أمر قد قضاه الله . كنتُ أريد تهيئتها ، لأمر أراه .. و لا أستطيع أن أبوح به .
كانت متعبة جدا .. خلال اليومين السابقين . آلام الروماتيزم تعذبها ، و تضغط على عظامها ، التي أعياها السكر .. فوق عذابات السنين ، التي فتّت فؤادها الغض . فاجأتني أنها تصر على أن تراه الليلة ، رغم إلحاحي عليها بالراحة ، حتى لا تحصل لها مضاعفات .
في المساء .. كنتُ عنده ، أنا و الوالدة ، و بعض الأخوات . نَظَرتْ إليه .. لكنها لم تقف عنده كثيرا ، و قالت بصوت ممتليء تعبًا ، أنّها ترغب بالمغادرة . في الطريق إلى السيارة ، كانت صامتة ، و حينما ركبت .. علا نشيجها ، و هي تردد:
-بعدك علوم يا أبو محمد .. الله يلطف بك و بنا ..!