الوجود، فقد يوجد الهلال فلكيًا ولكن لا يُرى لأسباب كثيرة، فلا يجب الصوم، أضف إلى هذا أن الشق الأخير من الحديث يدل دلالة قاطعة على أن وجود الهلال ليس هو العلة، وإنما العلة هى تحقق الرؤية الحسية الملموسة، وذلك لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم"فإن غم عليكم"أو حال بينكم وبينه سحاب"كما في بعض الروايات، يفيد بأنه عند وجود الهلال وراء الغيم أو غيره يجب عدم الصوم، وإكمال الشهر ثلاثين يومًا، مما يقطع بأن العلة ليست هى مجرد وجود الهلال، وإنما هى أخص من ذلك، ألا وهى: تحقق الرؤية البصرية، وبهذا ألغى الشارع الحكيم إعتبار الوجود العلمى للهلال علة للصوم أو الفطر، وأكد على أن الوجود الحسى البصرى هو العلة، وليس ذلك لأن قوة درجة الحساب الفلكى في الإثبات أقل من درجة الشهادة على الرؤية، أو لعدم صحة مقدمات ونظريات علم الفلك ولكن لأن رحة الله بعباده إقتضت أن يعلق أسباب عبادتهم وعللها بأمور حسية ملموسة لكل المكلفين، دفعًا للحرج والمشقة على الناس، وأن تكون علل الأحكام وأسبابها ثابتة وحسية وعامة يسهل إدراكها لجميع المكلفين دون مشقة، وألا ترتبط هذه العبادات بأمور عقلية علمية معنوية لا يدركها كل الناس، ولا كل من يريد أن يلتمسها حتى يتحقق عموم العلة مع عموم التكليف، ويسر إدراكها مع يسر أدائه."
إن الله سبحانه يعلم ما سيصل إليه علم الفلك من شأن عظيم في مستقبل الأيام، لكنه سبحانه ألغى إعتباره في إثبات علل العبادات، وذلك فيما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذى صح عنه قووله"إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، وأشار بيده"أى: تسعة وعشرون أو ثلاثون يومًا، فهذا دليل واضح على رفض الأخذ بالحساب الفلكى في إثبات الأهلة، إذا كلفنا أن نتعامل في ذلك وكأننا أميون في الحساب الفلكى، لا نكتب ولا نحسب، وليس في ذلك تنقص أو إزراء بعلم الفلك، ولكن المقصود أن لعلماء الفلك مجالًا رحبًا في بعض شئون الحياة، خارج المسائل الشرعية، فإنه ليس لهم أى دور في إثبات علل وأسباب العبادات التى ربط الله علل أحكامها بأسباب حسية ملموسة.