إننا من أجل أن نعرف كيف يتحقق النصر، لابد أن ندرك كيف وقعت الهزيمة، ومن أجل أن نرسم طريق الخلاص لابد أن نعرف كيف حدثت المعاناة، وما بني في عشرات السنين لا تنتظر زواله بين غمضة عين وانتباهتها؛ لأن السنن الكونية تدل على غير ذلك، فكما أن هناك أركانًا للهدم، فهناك أسس للبناء، وما شيدته الجاهليات المتعاقبة على مرور الأزمان، اقتضى وقتًا ليس باليسير حتى هدمه الأنبياء والمصلحون وأقاموا مكانه بناء راسخًا لا تهزه الرياح {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا} {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب} {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا} ومتى جاء الحق وزهق الباطل؟ بعد جهاد وصبر ومصابرة وطول معاناة. ... وسأسوق هذه الرؤية مسلسلة بنقاط مستقلة، تؤخذ النتيجة من مجموعها لا من آحادها، حيث يكمل بعضها بعضًا، ويأخذ بعضها برقاب بعض، وأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل لي فرقانًا ينير لي الطريق ويدلني على مكامن القوة والضعف فيه، لأدلّ قومي إليه فإن الرائد لا يكذب أهله.
أرض فلسطين أرض أسلامية:
في الحديث الصحيح الذى رواه أبو ذر - رضى الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنة) . وهذا ولا شك قبل بعثة موسى عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام الذي رفع مع إسماعيل القواعد من البيت هو الذى عيّن بأمر الله مكان المسجد الأقصى وهو الذي قال الله فيه: {ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين} .