وأقول بحق: إن تلك الأحداث المؤلمة التي يستخدمها المتشائمون واليائسون دليلًا على تشاؤمهم ويأسهم؛ هي نفسها من أقوى البراهين لديّ على التفاؤل والنظرة إلى المستقبل بأمل مشرق، وعزيمة صادقة، وثقة بوعد الله وقرب تحقق وقوعه {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} وهذا التفاؤل وتلك الثقة لم تبن على عاطفة جياشة مجردة من الدليل، سرعان ما تهتز أمام ريح عاتية، أو تذبل لطول الطريق وقلة الزاد وانفضاض المعين والرفيق بل هي قناعة مبنية على أسس عميقة الجذور، من السنن الكونية التي لا تتخلف وآيات الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وكلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ففي ظروف مشابهة من تسلط قريش وطغيانهم واستكبارهم مع ضعف المؤمنين وقلة المعين والناصر، أتى الصحابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشكون حالهم، ويطلبون منه الدعاء والاستنصار، وتحس من كلامهم بمرارة المعاناة واستطالة الطريق، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقلهم نقلة أخرى، نقلة الواثق بربه المؤمن بصدق وعده (والله ليسيرن الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) نعم لقد تحقق هذا الوعد وصدق الله ورسوله، ولكن ذلك لم يكن بين عشية وضحاها، بل احتاج إلى زمن طويل من الجهاد والبلاء، فليست العبرة متى يتحقق النصر وإنما المهم كيف يتحقق، وبأى وسيلة يستجلب؟ سواء طال الزمن أو قصر، فلله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهوالعزيز الرحيم.
وفي ظل تلك الأركان الصلبة، سأقدم هذه الرؤية، آملًا أن تكون مساهمة في رفع تلك المعاناة المعنوية، المنبثقة عن المعاناة الحسية التي طال أمدها، واسود ليلها.