فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 54

ونسيانُهُ سُبْحَانَهُ للعبدِ إهمالُهُ وتركُهُ وتخلِّيهِ عَنْهُ وإضاعتُهُ، فالهلاكُ أدنى إِلَيْهِ مِنَ اليدِ للفمِ، وأمَّا إنساؤهُ نفسَهُ فَهُوَ إنساؤهُ لحظوظِها العاليةِ، وأسبابِ سعادتِها وفلاحِهَا وصلاحِهَا وَمَا تكملُ بِهِ نفسُهُ، يُنسيهِ ذَلِكَ جميعَهُ، فَلاَ يُخطِرْهُ ببالهِ، وَلاَ يجعلهُ عَلَى ذكرهِ، وَلاَ يصرفُ إِلَيْهِ همَّتَهُ فيرغَبَ فِيهِ، فإنه لاَ يمرُّ بباله حتّى يقصدَهُ ويؤثِرَهُ.

وأيضًا فَيُنسيه عيوبَ نفسِهِ ونقصَهَا وآفَاتِها؛ فَلاَ يخطرُ ببالهِ إزالتُها وإصلاحُهَا.

وأيضًا يُنسيه أمراضَ نفسهِ وقلبهِ وآلامَها؛ فَلاَ يخطرُ بقلبهِ مُداواتُها، وَلاَ السَّعيُ فِي إزالةِ عِلَلِها وأمراضِها الَّتِي تَؤولُ بِهِ إِلَى الفسادِ والهلاكِ، فَهُوَ مريضٌ مُثْخَنٌ بالمرضِ، ومرضُهُ مُتَرامِ بِهِ إِلَى التَّلَفِ، وَلاَ يشعرُ بمرضِهِ، وَلاَ يخطرُ ببالهِ مداواتُهُ، وهذا مِنْ أعظمِ العقوبةِ العامةِ والخاصةِ.

فأيُّ عقوبةٍ أعظمُ مِنْ عقوبةِ مَنْ أهملَ نفسَهُ وضيَّعَها، ونَسِيَ مصالِحَها وداءهَا ودواءها، وأسبابَ سعادَتِهَا وفلاحِهَا وصلاحِها وحياتِها الأبديَّةِ فِي النعيم المقيمِ!

ومَنْ تأمَّلَ هَذَا الموضِعَ تبيَّنَ لَهُ أنَّ أكثرَ هَذَا الخلقِ قَدْ نسوُا أنفُسَهُم حقيقةً وضَيَّعُوهَا وأضاعُوا حَظَّها مِنَ اللهِ، وباعُوها رخيصةً بثمنٍ بخسٍ بيعَ الغُبْنِ، وإنَّما يظهرُ لهم هَذَا عِنْدَ الموتِ، ويظهرُ هَذَا كلَّ الظهورِ يومَ التغابُنِ، يومَ يظهرُ للعبدِ أَنَّهُ غُبِنَ فِي العَقْدِ الَّذِي عقدَهُ لنفسهِ فِي هَذِهِ الدّارِ، والتجارة الَّتِي اتَّجَرَ فِيهَا لمعادِهِ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يتَّجِرُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لآخرتِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت