والبُعْدُ مِنَ اللهِ مراتبُ، بعضُها أشدُّ منْ بعضٍ؛ فالغفلةُ تُبْعِدُ القلبَ عَنْ اللهِ، وبُعْدُ المعصيةِ أعظمُ مِنْ بُعْدِ الغفلةِ، وبُعدُ البدعةِ أعظمُ مِنْ بُعْدِ المعصيةِ، وبُعْدُ النّفاقِ والشركِ أعظمُ مِنْ ذَلِكَ كلِّه.
إنَّ الذنوبَ والمعاصِي سلاحٌ وَمَدَدٌ يَمُدُّ بِهَا العبدُ أعداءهُ، ويُعينُهُم عَلَى نفسهِ، فيقاتلونَهُ بسلاحِهِ، ويكونُ معهم عَلَى نفسهِ، وهذا غايةُ الجهلِ.
مَا يَبْلُغُ الأعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ * مَا يَبْلُغُ الجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ
ومِنَ العجَائِبِ أنَّ العبدَ يسعى بجهدِهِ فِي هوانِ نفسهِ، وَهُوَ يزعُمُ أنَّهُ لَهَا مُكرمٌ، ويجتهدُ فِي حرمانِها أعلى حظوظها وأشرفَها وَهُوَ يزعُمُ أنَّه يسعى فِي حظِّها، ويبذلُ جهدَهُ فِي تحقيرِها وتصغيرِها وتدسيتها، وَهُوَ يزعمُ أنَّه يُعليهَا ويرفعُها ويكبرُها.
وكان بعضُ السلفِ يقولُ فِي خطبتِهِ: ألا رُبَّ مهين لنفسهِ وَهُوَ يزعُمُ أنَّه لَهَا مكرمٌ، ومُذِلٍّ لنفسهِ وَهُوَ يزعُمُ أنَّهُ لَهَا مُعِزٌّ، ومُصَغِّرٍ لنفسهِ وَهُوَ يزعُمُ أنَّهُ لَهَا مكبِّرٌ، ومُضَيِّعٌ لنفسِهِ وَهُوَ يزعمُ أَنَّهُ مُراعٍ لحقِّها؟ وكفى بالمرءِ جهلًا أَنْ يكونَ مَعَ عدوِّهِ عَلَى نفسهِ، يبلغُ مِنْهَا بفعلهِ مَا لَمْ يبلغْ مِنْهُ عدوُّهُ.
قَالَ اللهُ العظيمُ: (( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُم أُولئكَ هُمُ الفاسِقُونَ ) ) [الحشر: 19] .
فلما نسُوا ربّهم سُبْحَانَهُ نسيَهُم وأنساهم أنفسَهم، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (( نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم ) ) [التوبة: 67] ، فعاقَبَ سُبْحَانَهُ مَنْ نسيهُ عقوبتين:
إحداهُما: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نسِيه.
والثانية: أَنَّهُ أنساه نفسَه.