ركَّبَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي الإنسانِ نَفْسَيْنِ: نفسًا أمَّارةً، ونفسًا مطمئنَّةً، وهما متعاديتانِ، فكلُّ مَا خفَّ عَلَى هَذِهِ ثَقُلَ عَلَى هذه، وكلُّ مَا التذَّتْ بِهِ هَذِهِ تألَّمَتْ بِهِ الأخرى؛ فليسَ عَلَى النَّفْس الأمّارةِ أشقُّ مِنَ العملِ للهِ وإيثارُ رضاهُ عَلَى هواها، وليس لَهَا شيءٌ أنفعَ منه، وليس عَلَى النفسِ المُطْمَئِنَّةِ أشقُّ مِنَ العملِ لغيرِ اللهِ وإجابةُ داعِي الهوى.
وليسَ عَلَيْهَا شيءٌ أضرَّ منه، والمَلَكُ مَعَ هَذِهِ عَنْ يَمْنَةِ القلبِ، والشيطانُ مَعَ تِلْكَ عَنْ يَسْرَةِ القلبِ، والحربُ مستمرَّةٌ لاَ تضعُ أوزارها إِلاَّ أَنْ تستوفِيَ أجلها مِنَ الدُّنْيَا، والباطلُ كلُّه يتحيَّزُ مَعَ الشَّيطانِ والأمَّارَةِ، والحقُّ كلُّه يتحيزُ مَعَ المَلَكِ والمطمئنَّةِ، والحربُ دُوَلٌ وسِجَالٌ، والنصرُ مَعَ الصبرِ، ومَنْ صبرَ وصابَرَ ورابطَ واتّقى الله فله العاقبة فِي الدُّنْيَا والآخرة.
قَالَ عبدُ اللهِ بنُ المبارَكِ:
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ * وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ * وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
وهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلاَّ المُلُوكَ * وأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ ) ) [الحشر: 18-19] .