فَإِذَا كَانَ هَذَا التفاتُ طَرفه أَوْ لحظِهِ. فكيف التفاتُ قلبِهِ إِلَى مَا سوى الله؟ هَذَا أعظمُ نصيبِ الشّيطان من العبودِيَّةِ.
وقال ابنُ مسعود:"لاَ يَجعَلْ أَحدُكُم للشّيطانِ حَظًا من صلاتِهِ، يَرى أَنَّ حقًا عَلَيهِ: أَنْ لاَ ينصرفَ إِلاَّ عَنْ يمينِهِ"فجعلَ هَذَا القَدرَ اليسيرَ النَّزرَ حظًا ونَصيبًا للشيطانِ من صلاة العبدِ. فَمَا الظَّنُّ بِمَا فوقَهُ؟
وأمّا حَظُّ النفسِ منَ العملِ فَلاَ يعرِفُه إِلاَّ أَهلُ البصائِرِ الصَّادِقُونَ.
الثّاني: عِلمُهُ بِمَا يَستَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ من حقوقِ العبوديَّةِ، وآدابِها الظاهِرَةِ والباطِنَةِ، وشروطِها، وأن العبدَ أضعفُ وأعجزُ وأقلُّ مِن أَنْ يَوفِّيَها حَقًا، وأن يرضى بِهَا لِرَبِّهِ، فالعارفُ لاَ يرضى بشيءٍ من عَملِهِ لِرَبِّهِ، وَلاَ يرضى نَفسَهُ للهِ طرفةَ عينٍ، ويستحيي من مقابَلَةِ الله بعَمَلِهِ.
فسوءُ ظنِّهِ بنفسِهِ وعمَلِهِ، وبُغضُهُ لَهَا، وكراهَتُهُ لأنفاسِهِ، وصُعودِها إِلَى اللهِ، يحولُ بينَهُ وبينَ الرِّضا بِعَمَلِهِ، والرِّضا عَنْ نَفسِهِ.
وقال بعضُهم: آفةُ العبدِ رضاهُ عَنْ نَفسِهِ، ومن لَمْ يَتَّهِم نَفْسَهُ عَلَى دوامِ الأوقاتِ فَهُوَ مَغرورٌ.
عَنْ عبدِ الله بنِ عمرو بن العاص رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بينما نحن حوْلَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِذْ ذكر الفتنة، فقال: ( إِذَا رَأَيتمُ النَّاس قَدْ مَرَجتْ عُهودهم، وَخَفّتْ أمَاناتهمْ وكانوا هكذا ) وشبّك بَيْنَ أصابعه، فقمت إِلَيْهِ فقلت: كَيْفَ أفعل عِنْدَ ذَلِكَ! جعلني اللهُ فداك؟ قَالَ: ( الزمْ بيتكَ، وَامْلكْ عليكَ لِسانكَ، وخُذْ بِمَا تَعرفُ وَدَعْ مَا تُنكر، وَعَلَيْكَ بأمر خَاصَّةِ نَفسك، ودعْ عَنْكَ أمرَ العَامّة ) .