وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَدُوٌّ مَحْبُوبٌ، وَالإِنْسَانُ عَمٍ عَنْ عَيْبِ مَحْبُوبِهِ، لاَ يَكَادُ يُبْصِرُ عَيْبَهُ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
وَلَسْتَ تَرَى عَيْبًا لِذِي الْوِدِّ وَالإِخَا * وَلاَ بَعْضَ مَا فِيهِ إِذَا كُنْتَ رَاضِيًا
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ * وَلكِنّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
فَإِذًا يَسْتَحْسِنُ الإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ كُلَّ قَبِيحٍ، وَلاَ يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَى عَيْبٍ لَهَا، وَهِيَ فِي عَدَاوَتِهَا وَأَضْرَارِهَا، فَمَا أَوشَكَ مَا تُوقِعُهُ فِي كلّ فَضِيحَةٍ وَهَلاَكٍ، وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ إِلاَّ أَنْ يَحْفَظَهُ اللهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ، وَيُعِينَهُ عَلَيْهَا بِرَحْمَتِهِ.
ثُمَّ: تَأَمَّلْ أَيُّهَا الرَّجُلُ نُكْتَةً وَاحِدَةً مُقْنِعَةً، وَهِيَ أَنَّكَ لاَ تَجِدُ فِي الْخَلْقِ فِتْنَةً وَلاَ فَضِيحَةٍ وَلاَ ضَلاَلًا وَلاَ مَعْصِيَةً، إِلاَّ وَأَصْلُهَا النَّفْسُ وَهَوَاهَا، وَإِلاَّ كَانَ النَّاسُ فِي سَلاَمَةٍ. وَإِذَا كَانَ عَدُوٌّ بِهَذَا الضَّرَرِ كُلِّهِ فَحَقَّ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِهِ، وَاللهُ تَعَالَى وَلِيُّ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِفَضْلِهِ.
اعلم رحمك الله بأنَّ الَّذِي يخلِّص العبد من رضاه بعمله وسكونه إِلَيْهِ أَمرَان:
أحدُهما: مطالَعَةُ عيوبِهِ وآفاتِهِ، وتقصِيرِهِ فِيهِ، وَمَا فِيهِ من حَظِّ النَّفْس، ونصيب الشَّيطانِ. فَقَلَّ عمَلٌ من الأعمالِ إِلاَّ وللشّيطان فِيهِ نصيبٌ، وإنْ قَلَّ، وللنَّفسِ فِيهِ حَظٌّ. سُئِل النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ التفاتِ الرَّجُلِ فِي صَلاتِهِ؟ فَقال: ( هُوَ اختلاسٌ يَختَلِسُهُ الشَّيطانُ مِن صَلاةِ العَبْدِ ) أخرجه البخاري (751) وأبو داود (910) والترمذي (590) عَنْ عائشة.