وفي الحديث مَنْ الفقه فضل الحلم. وفيه دليل عَلَى أَنْ الحلم كتمان الغيظ، وأن العاقل مَنْ ملك نفسه عِنْدَ الغضب؛ لأن العقل فِي اللغة ضبط الشيء وحبسه، منه قِيلَ: عقال الناقة. ومعناه فِي الشريعة ملك النَّفْس وصرفها عن شهواتها المردية لَهَا، وحبسها عمّا حرّم الله عَلَيْهَا والله أعلم.
وَقَدْ جعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، للذي يملك نفسه ويغلبها مَنْ القوة مَا لَيْسَ للذي يغلب غيره.
وفي هَذَا دليل عَلَى أَنْ مجاهدة النَّفْس أصعب مراما، وأفضل مِن مجاهدة العدو والله أعلم. وأمّا قوله (الصرعة) فإنه يعني الكثير القوّة، الَّذِي يصرع كلّ مَنْ صارعه، ومثله مِن قول العرب هَذَا رجل نومة، يعني كثير النوم، وحفظة، يعني كثير الحفظ. وقال ابن حبيب: الصرعة تثقيل الكلمة بالحركات، معناه الَّذِي يصرع الناس، قَالَ: والصرعة بالتخفيف الرجل الضعيف النحيف الَّذِي يصرعه النَّاس حتّى لاَ يكاد يثبت، وكذلك الضحكة بالتثقيل، الَّذِي يضحك الناس، والضحكة بالتخفيف الَّذِي يضحك منه النَّاس وبالله التوفيق.
عَلَيْكَ عَصَمَكَ اللهُ وَإِيَّانَا، بِالْحَذَرِ مِنْ هذِهِ النَّفْس الأمَّارَةِ بِالسُّوءِ، فَإِنَّهَا أَضَرُّ الأَعْدَاءِ، وَبَلاؤُهَا أَصْعَبُ الْبَلاَءِ، وَعِلاَجُهَا أَعْسَرُ الأَشْيَاء، وَدَاؤُهَا أَعْضَلُ الدَّاءِ، وَدَوَاؤُها أَشْكَلُ الدَّوَاءِ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا عَدُوٌّ مِنْ دَاخِلِ الجسد، وَاللّصَّ إِذَا كَانَ مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ عَزّتِ الْحِيلَةُ فِيهِ وَعَظُمَ الضَّرَرُ، وَصَدَقَ الْقَائِلُ:
نفْسِي إِلَى مَا ضَرَّنِي دَاعِي * تَكْثِير أَسْقَامِي وَأَوْجَاعِي
كَيْفَ احْتِيَالِي مِنْ عَدُوي إِذَا * كَانَ عَدُوِّي بَيْنَ أَضْلاَعِي