اعْلَمْ أَيُّهَا الأَخُ فِي الدِّينِ، أَنَّ نَبِيَّنا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، أَعْلَمُ بِالمصالِحِ، وَأَنْصَحُ لَنَا مِنَّا لأَنْفُسِنَا؛ فَإِنْ وَجَدْتَ زَمَانَكَ عَلَى مَا وَصَفَ وَبَيّنَ فَامْتَثِلْ أَمْرَهُ صلى الله عليه وسلم، وَاقْبَلْ نَصِيحَتَهُ، وَلاَ تَشُكَّ؛ فإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم، كَانَ أَعْرَفَ بِمَا يَصْلُحُ لَكَ فِي زَمَانِكَ، وَلاَ تَتَعَلَّلْ بِالْعِلَلِ الْكَاذِبَةِ، وَلاَ تُخَادِعْ نَفْسَكَ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ هَالِكٌ وَلاَ عُذْرَ لَكَ.
وَجَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الحديث تَرَاهُ بِعَيْنِكَ فِي زَمَانِكَ وَأَهْلِهِ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ.
إِنّ النَّفْسَ تَسْتَكِينُ وَتَتَعوَّدُ مَا عَوَّدْتَهَا، وَإِنَّهَا كمَا قَالَ الْقَائِلُ:
فَالنّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا * وَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
وَقَالَ آخر: هِيَ النَّفْس مَا عوّدتها تتعوّد.
وقال الآخر:
صبرت عَنْ اللَّذّات حتّى تولّت * وألزمت نفسي هجرها فاسْتَمَرّتِ
وكانت عَلَى الأيام نفسي عزيزةً * فلما رأت عزمي عَلَى الذلّ ذلّتِ
وَمَا النَّفْسُ إِلاَّ حيثُ يجعلها الفتى * فإن طمِعَتْ تاقتْ وإلاّ تسلَّتِ
وقال الآخر:
إِذَا المرء أعطى نفسَهُ كلَّ مَا اشتهت * ولم ينهها تاقت إِلَى كلِّ مطلبِ.
قَالَ صلى الله عليه وسلم: ( المهاجرُ من هَجَر مَا نهى اللهُ عَنْهُ ) ..
والهجرةُ إِلَى الله تتضمنُ هجران مَا يكرهه وإتيان مَا يحبّه ويرضاه، وأصلها الحب والبغض، فإنَّ المهاجر مِن شيءٍ إِلَى شيء لاَ بُدَّ أَنْ يكون مَا هاجر إِلَيْهِ أحبّ مما هاجر منه، فيؤثر أحبّ الأمرين إِلَيْهِ عَلَى الآخر.