فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 54

و"التوفيقُ"إرادةُ اللهِ مِن نَفْسِه أنْ يَفْعَلَ بعبدِهِ مَا يَصلُحُ بِهِ العَبْدُ، بأن يجعَلَهُ قادرًا عَلَى فعلِ مَا يُرضيه، مُريدًا لَهُ، مُحِبًا لَهُ، مُؤثرًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، ويُبَغِّضَ إِلَيْهِ مَا يَسْخَطُهُ، يُكَرِّهُهُ إِلَيْهِ، وهذا مجرَّدُ فِعْلِهِ، والعبدُ مَحَلُّ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: (( وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُم وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيانَ أُولئكَ هُمُ الرَّاشِدُون فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) )فَهُوَ سُبْحَانَهُ عليمٌ بمَنْ يَصْلُحُ لهذا الفضلِ ومَنْ لاَ يَصْلُحُ لَهُ، حكيمٌ يَضَعُهُ فِي مواضِعِهِ وعِنْدِ أهلِهِ، لاَ يَمْنَعُهُ أهلَهُ، وَلاَ يَضَعُهُ عِنْدَ غَيرِ أهلِهِ.

قَالَ يحيى بنُ معاذٍ رحمه الله: يَخْرُجُ العارفُ مِن الدُّنْيَا ولم يقضِ وَطَرَهُ مِن شَيئينِ: بكاءٍ عَلَى نفسِهِ، وثناءٍ عَلَى ربِّهِ.

وَهذا مِن أحسنِ الكلامِ، فإِنَّه يَدُلُّ عَلَى معرفتِهِ بنفسِهِ، وعيوبهِ وآفاتِهِ، وعلى معرفتِهِ بربِّهِ وكمالِهِ وجلالِهِ، فَهُو شديدُ الإِزراءِ عَلَى نفسِهِ، لَهِجٌ بالثَّناءِ عَلَى ربِّهِ.

العبدُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مفتونٌ بشهواتِهِ ونفسِهِ الأمَّارَةِ، وشَيطانِهِ المُغْوي المُزَيِّنِ، وقُرنائِهِ، وما يراهُ، ويشاهِدُهُ، ممَّا يَعْجِزُ صبرُهُ عَنْهُ، ويَتَّفِقُ مَعَ ذَلِكَ ضعفُ الإِيمانِ واليقينِ، وضعفُ القلبِ، ومرارةُ الصَّبْرِ، وذَوْقُ حلاوةِ العاجِلِ، ومَيْلُ النَّفسِ إِلَى زَهْرَةِ الحياةِ الدُّنْيَا، وكونُ العِوَضِ مؤجَّلًا فِي دارٍ أُخرى غيرِ هَذِهِ الدَّارِ التي خُلِقَ فيها، وفيها نشأَ، فَهُوَ مكلَّفٌ بأَنْ يترُكَ شهْوَتَهُ الحاضرةَ المشاهَدَةَ لغيبٍ طُلِبَ منه الإِيمانُ بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت