أَجْمَعَ العارفونَ باللهِ أَنَّ"التوفيقَ"هُوَ أَنْ لاَ يَكِلَكَ الله إِلَى نَفْسِكَ، وأَنَ"الخِذلانَ"هُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بينَكَ وبينَ نفسِكَ، فالعبيدُ متقلّبونَ بينَ توفيقِهِ وخِذْلانِهِ، بلِ العبْدُ فِي الساعَةِ الواحِدَةِ ينالُ نَصيبَهُ مِن هَذَا وهذا، فَيطيعُهُ ويُرضيهِ، وَيَذْكُرُه ويشكُرُه بتوفيقِهِ لَهُ، ثمّ يَعْصيهِ ويُخالِفُهُ ويُسْخِطُهُ وَيَغْفَلُ عنهُ بخِذْلانِهِ لَهُ، فَهُوَ دائرٌ بينَ توفيقِهِ وخِذْلانِهِ، فإنْ وَفَّقَهُ فبِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وإن خَذَلَهُ فبعَدْلِهِ وحكمَتِهِ، وَهُوَ المحمودُ عَلَى هَذَا وهذا، لَهُ أتمُّ حمدٍ وأَكْمَلُهُ.
فَمَتَى شَهدَ العبدُ هَذَا المشهدَ وأعطاهُ حقَّهُ، وأنّه لاَ موفّقَ إِلاَّ مَنْ وفَّقَهُ وأعَانَه، وَلاَ مخذولَ إِلاَّ مَنْ خذله وأهانه وتخلّى عنه، عَلِمَ شدَّةَ ضَرورَتِهِ وحاجَتِهِ إِلَى التَّوفيق فِي كُلِّ نَفَسٍ وكلِّ لحظَةٍ وطَرْفَةِ عينٍ، وأنَّ إيمانَهُ وتوحيدَهُ بيدِهِ تَعَالَى، لَوْ تَخَلَّى عنهُ طرفَةَ عينٍ لَثُلَّ عَرْشُ توحيدِهِ، ولَخَرَّتْ سماءُ إيمانِهِ عَلَى الأرضِ، وأنَّ المُمْسِكَ لَهُ هُوَ مَنْ يمسكُ السّمَاء أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بإِذْنِهِ، فَدأْبُ لسانِهِ: ( يَا مُقَلِّبَ القُلوبِ ثَبِّتْ قَلبي عَلَى دينِكَ. اللهمَّ مُصرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طاعَتِكَ ) ففي هَذَا المشهدِ يَشْهَدُ توفيقَ اللهِ وخِذلانَهُ، فيسأَلُهُ توفيقَهُ مسأَلَةَ المُضْطَرِّ، ويعوذُ بِهِ مِن خِذلانِهِ، عياذَ الملهوفِ، ويُلقي نفسَهُ بينَ يَديْهِ، طريحًا ببابِهِ مستَسْلِمًا له، ناكِسَ الرَّأْسِ بينَ يَدَيْهِ، خاضِعًا ذَليلًا مُسْتَكينًا، لاَ يملِكُ لنَفْسِهِ ضَرًَّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ مَوْتًا وَلاَ حَياةً وَنُشورًا.