تحصل إلا بالجد المحض" [1] ."
ويقول الدكتور ناصر بن سليمان العمر:"فكلما ضعف العلم الشرعي لدى المسلم كان أكثر عرضة لأن يصاب بداء الفتور. وذلك أنه يجهل الأدلة الشرعية التي تحث على العبادة والعلم وطلب العلم، ولا يعلم الأثر المترتب على العمل مما يضعف من عزيمته، كما أنه لم يحط بقيمة الصبر وأثره وجزاء الصابرين مما يقلل من احتماله، ويُكثر من شكواه، ومن ثمَّ ترك ما هو عليه، وعند التأمل في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] ، وفي قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] ، ندرك هذه الحقيقة ومن ثم نعرف العلاج" [2] .
2ـ إرادة الآخرة وتذكر الموت:
فمما يحط من عزيمة المسلمة الانشغال بالدنيا والإعراض عن الآخرة، ونسيان لقاء الله تعالى، ولكي ترتقي المسلمة بهمتها نحو الله فينبغي أن تجعل الهموم عندها همًا واحدًا وهو إرادة الآخرة، والذي على أساسه تكون توجهاتها في الحياة، وتكون تطلعاتها بل وحياتها الحقيقية كما قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء:19] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"من كانت همُّه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت همُّه الدنيا فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له" [3] .
وكذلك لترتقي المسلمة بهمتها نحو الله فينبغي عليها الإكثار من ذكر الموت؛ لأنه يدفع صاحبته إلى العمل الصالح والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس، وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ بصر بجماعة فقال:"علام اجتمع عليه هؤلاء؟"قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلَّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا، قال:"أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا") [4] .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث؛ أضحكني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه وهو لا يدري أأرضى الله أم أسخطه؟ وأبكاني: فراق الأحبة محمد - صلى الله عليه وسلم - وحزبه، وهول المُطَّلَع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله، يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار؟) .
وقيل لبعض الزهاد:"ما أبلغ العظات؟"قال:"النظر إلى الأموات".
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأوزاعي:"أما بعد، فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير".
وعن عطاء قال:"كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون".
وكان يقول صالح المري:"إن ذكر الموت إذا فارقني ساعة فسد عليَّ قلبي".
(1) مفتاح دار السعادة.
(2) الفتور المظاهر، الأسباب، العلاج ص45.
(3) رواه ابن ماجه، وصححه الألباني في"الصحيحة"برقم 948.
(4) أخرجه البخاري في"التاريخ"، وابن ماجه، وأحمد، وحسنه الألباني رحمه الله في"الصحيحة"رقم 1751.