لما وضعت الحرب أوزارها في غزوة أحد، وتجهَّز المشركون للرجوع، بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا في آثار القوم، وقال له: انظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنّبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم، قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنّبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة [1] .
هكذا ورد في رواية ابن إسحاق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليًا خلف القوم، وتبع ابن إسحاق عددٌ من أهل السير مثل: الطبري [2] ، وابن الأثير [3] ، وابن القيم [4] ، وابن كثير [5] وغيرهم.
وقد زاد الطبري بسنده ما يفيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عليًا أن يخفي الجواب في كلا الحالتين، قال علي: فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة، أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،لما بي من الفرح إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة.
وأما الواقدي فذكر أن الذي بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - خلف القوم: هو سعد بن أبي وقاص [6] ، وذكر البيهقي مثل ذلك عن عروة بن الزبير [7] ، وأما ابن سيد الناس [8] ، والصالحي [9] ،فذكرا القولين ولم يرجحا بينهما.
قلت: يمكن الجمع بين القولين بأن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عليًا أولًا، ثم بعث سعد ثانيًا، والله أعلم.
(1) سيرة ابن هشام 2/94.
(2) تاريخ 2/527.
(3) الكامل 2/111.
(4) زاد المعاد 3/241.
(5) البداية 5/421.
(6) المغازي 1/298.
(7) دلائل النبوة 3/282.
(8) عيون الأثر 1/425.
(9) سبل الهدى والرشاد 4/325.
(10) حسمى: -بالكسر ثم السكون آخره ألف-: من سلسلة جبال شرقي الأردن وتقع جنوبي جبال الشراة وتمتد حتى حدود الحجاز، المعالم الأثيرة، ص100.