ومن مجموع ذلك كلّه يتضح فضل الدَّعوة إلى الله تعالى، وخيرها وبركتها، وأن فضلها متعدّ للدنيا والآخرة، وهو فضل واسع كبير؛ لأنه من عند الله تعالى.
رابعًا: حاجة الناس إلى الدعوة:
الناس محتاجون دائمًا وأبدًا لمن يدعوهم إلى الله تعالى، ويذكرهم به، ويبين لهم ما يجب عليهم من القيام والالتزام به، وذلك لافتقارهم إلى إلههم وخالقهم وبارئهم سبحانه في كل أمورهم وشؤونهم.
قال تعالى: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } [ فاطر:15] .
يقول الشيخ ابن سعدي في تفسيره للآية الكريمة:
"يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم لم يوجدوا، فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم بها لما استعدوا لأي عمل كان، فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور لما حصل لهم من الرزق والنعم شيء، فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد، فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد، فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير، فقراء إليه في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم وإخلاص العبادة له تعالى، فلولم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم، فقراء إليه في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا" (1) ومن أجل هذه الحاجة الماسّة إلى الهدى، أرسل الله تعالى الرسل، وأنزل الكتب، وأمرهم بالدعوة إليه سبحانه لتقوم بذلك الحجة وتنتفي الجهالة.
قال تعالى: { رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجَّة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا } [ النساء:165] .
(1) تفسير ابن سعدي ص678.