يقول القاسمي ـ رحمه الله ـ في تفسيره للآية الكريمة:
" { رسلًا } : أي كل هؤلاء النبيين أرسلناهم رسلًا { مبشرين } بالجنة لمن آمن { ومنذرين } من النار لمن كفر { لئلا } لكيلا { يكون للناس على الله حجَّة } يوم القيامة، أي: معذرة يعتذرون بها قائلين: لولا أرسلت إلينا رسولًا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا ما لم نكن نعلم، من أحكامك؛ لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيّات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها… وإنما سميت حجة مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله، بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى بمقتضى كرمه ورحمته لعباده، بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها… وقوله: { بعد الرسل } أي: بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، متعلقة بـ { حجة } ، أو بمحذوف وقع صفة لها، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل، كما قال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا } [ الإسراء:15] وفي قوله: { وكان الله عزيزًا حكيمًا } يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله { حكيمًا } في بعث الرسل للإنذار"إلى أن يقول -رحمه الله-:"وأشارت الآية إلى بيان حاجة البشر إلى إرسال الرسل، وإلى وظيفتهم عليهم السلام" (1) والحقيقة أن حاجة الناس إلى الله تعالى تبرز أيضًا من خلال الضعف البشري الذي يتصف به الإنسان، ويعد ملازمًا له في كل زمان ومكان، فهذا الضعف يقصر به عن إدراك ما يصلحه ويعلي من شأنه ويرفع من مكانته، بل على العكس قد يرتكس به إلى مهاوي الردى، ويمكن لنا أن نستبين هذا الأمر بكل وضوح عندما أعرض فئات من الناس ـ لأسباب كثيرة ـ قديمًا وحديثًا عن منهج الله تعالى وشريعته الغراء، وكم هو مؤلم ما وصلت إليه الإنسانية الحائرة اليوم والباحثة عمن ينقذها ويرشدها ويأخذ بأيديها إلى بر الأمان.
(1) تفسير القاسمي 3/469-470.