والحقيقة أن المساجد هي بيوت الله تعالى على الأرض لها صفات ومزايا لا ينعم بها إلا روادها الذين يعيشون مع أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويفهمون معانيها. ويدركون الفرق بين أداء الصلاة وإقامتها، فأداء الصلاة تكون في أي مكان على هذه الأرض وأنت تسمع كلام الحبيب -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) وقال عليه الصلاة والسلام: وهو يوصي أبا ذر (أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد) ( [6] ) وفي رواية فكلها مسجد. فالسجود يكون على بقعة في الأرض ( [7] ) ، أما المسجد فدوره أكبر وأعظم من أداء الصلاة فقط، وحدوده لا يجرؤ نجس أو مشرك على تعديها، بل لا يستطيع المسلم الجنب أن يمكث فيه إلا عابر سبيل، فهذا المكان الطاهر يرفع ويذكر فيه اسم الله، وتعرج الأعمال إلى خالقها، وتهبط فيه الملائكة من السماء لحضور مجالس العلم، وتشهد على الجالسين فيه بالخير عند خالقها سبحانه وتعالى.
ومن هنا يأتي الأمن والآمان للجالسين في المساجد في حلقات العلم وتلاوة القرآن، أو تشاور المسلمين فيه بما يصلح الأمة وينفعها، يقول تعالى: (( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) ) ( [8] ) .
ففي هذا المكان الطاهر جعل الله الأمن والأمان لمن دخله على مدار التاريخ لا يخاف بطش جبار، ولا سوط جلاد، ولا ظلم الظالمين وتآمر الحاقدين.
وكذلك المساجد كلها في جميع أنحاء العالم حين يجتمع المسلمون خلف إمام واحد تقي نقي ورع لا يخشى إلا الله، يجمع الناس على المحبة والألفة والتعاون وسمعهم قول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . وقوله -صلى الله عليه وسلم- (المؤمن آلف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) ( [9] ) .