بعد هذا العرض الموجز للظواهر السابقة يرى الباحث أن في ضمير الغيبة ثلاث لهجات تمثل ثلاث قواعد نحوية تفاوتت في انتشارها بين القبائل العربية، هي لهجة الضم ولهجة الكسر اتباعا لكسر، ولهجة الإسكان، وهي قليلة ليس لها شواهد قرآنية، وأن الأصل في حركة هاء الغيب (ضمير الغائب المتصل) الضم؛ بدليل أنها مضمومة في الضمير المنفصل (هُو) ، وأن الكسر بعد كسرة أو ياء ساكنة هو مخالفة للأصل، ويعد مظهرا من مظاهر التخفيف في اللسان العربي؛ ففيه انسجام حركي، والانسجام كمظهر من مظاهر التخفيف والتسهيل في الكلام اتسمت به بعض القبائل العربية البدوية؛ بهدف الاقتصاد في المجهود العضلي عند النطق، أما القبائل المتحضرة ـ القبائل الحجازية ـ فقد حافظت على الأصل في النطق؛ لأنها تميل إلى التأني والهدوء في النطق. وهذا لا يخالف ما ذكره د. أنيس من أن الضم للبدو والكسر للحضر (1) ، إذ هذا بمثابة قانون عام، شذت عنه ظواهر؛ منها هذه الظاهرة. وتسجيل القرآن للهجتين يدفعنا إلى القول بعدم التفاضل بينهما؛ فكلتاهما سمة يوسم بها ناطقوها وهي فصيحة لديهم، غير أن السيطرة كانت للغة الانسجام في قراءة حفص، فكل مواضع هذا الضمير في القرآن قد جاءت على لغة الانسجام إلا في الموضعين اللذين ذكرهما السيوطي: (أنسانيهُ إلا) و (عاهد عليهُ الله) ؛ حيث قرأهما حفص بالضم.
كما يرى أن في حركة الواو والياء لهجتين تمثلان قاعدتين: لهجة الفتح وهي الأصل، وهي المنتشرة والشائعة بين القبائل العربية، ولهجة الإسكان، وهي أقل شيوعا وانتشارا؛ إذ إنها مقصورة على قبيلتي قيس وأسد.
وفي كاف الخطاب لهجتان: لهجة الضم وهي الأصل والمشهورة، ولهجة الكسر اتّباعا، وهي لهجة رديئة ليس لها حظ من الاستعمال والشيوع، ولم يسجلها لنا القرآن في قراءة متواترة أو شاذة؛ ومن ثم فاللهجتان لا تمثلان قاعدتين نحويتين عند النحاة.
(1) في اللهجات العربية 91