فأما الأول فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات وطهارة التأهب للمناجاة وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس إما حسنة عند الشارع وإما قبيحة. فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع فلا تبديل لها، وإن اختلفت آراء المكلفين فيها.
والمتبدلة ( وهي الضرب الثاني ) منها ما يكون متبدلًا في العادة من حسْنٍ إلى قُبح، وبالعكس مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية. فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح.
ثم قال رحمه الله: فاعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع على مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ مثلًا، فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ فإذا بلغ وقع عليه التكليف. فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده
ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد والشواهد. (1)
وجاء في شرح مجلة الأحكام العدلية (( إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة؛ لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضًا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام، بخلاف الأحكام المستندة على الأدلة الشرعية التي لم تُبنَ على العرف والعادة فإنها لا تتغير .
مثال ذلك: جزاء القاتل العمد القتل.