الصفحة 33 من 108

*الحالة العامة للأمة*

(نظرة من شرفة التاريخ على أحوال الأمة حينما غربت شمس عمر رضي الله عنه) :

إن الحالة العامة للمسلمين على عهد عمر بن الخطاب تختلف عنها في عهد أبي بكر، فقد تقوى في عهد عمر الدين، وصارت كلمته العليا في جزيرة العرب، وتوطد الملك للمسلمين، وشيدت دعائم الدولة، ونسى العرب ما كان بينهم في الجاهلية من الانقسام والتفرق ومحاربة بعضهم بعضا، وزالت عن أعينهم غشاوة الجهل بأمور الدين، وتجردوا عن كثير من تلك السذاجة التي كانت فيهم، وصارت الأمة الإسلامية سائسة ملك، وصاحبة سطورة، ومؤسسة دولة، ومقننة قانون، وصاحبة دين حملها إلى الجد، وحملها على مزاحمة أمم التاريخ بالمناكب حتى وصفت بأنها أعظم الأمم.

(زلزلوا سلطان فارس وتغلغلوا في أحشائها) : في عهد عمر كانت حياة الأمة تنمو نموا عجيبا، يتدفق فيضها الحيوي في جميع عناصرها وأعضائها، تدفقا ينعش كل جزء من أجزائها، وينمي ذلك الجسم نموا سريعا، يؤذن بانقلاب في العالم تهتز له أعصاب دول الأرض، ويتناول أهل المشارق والمغارب فاندفعت الأمة في عصره بما استحدثه فيها الدين من الإتحاد القومي، وما رسخ في إعتقادهم من أنهم الأمة الوارثة للأمم، وأن الله تعالى سيمكن لها في الأرض، ويجعل أهلها أئمة ويجعلهم الوارثين. فسال سيلهم على أطراف الممالك المجاورة لهم وهم الفرس والروم، فزلزلوا سلطان فارس، وتغلغلوا في أحشائها، وطم سيلهم على بلادها، وطغى على ما جاورها من البلدان النائية، والأمصار المترامية، ووطئت خيلهم بلادا لم يمر اسمها على خاطرهم، وشردوا حامل تاج ملك فارس، وثلوا عرشه، وأوعجوا القواد والرؤساء حتى درس البلاد، ولم تغن لهيبتهم وجود العباد.

(زوال سلطان الروم) : وأما الدولة الرومانية فقد انتقصوا أطرافها وقلصوا ظلها عن الجزيرة وسوريا وجزء من أرمينيا وجميع مصر وبرقة، وفي كل آن لهم غارات في قراهم، وفتكا في جنودهم وأحشاء بلادهم، ويغزونهم في عقر دارهم، وبمرأى ومسمع من عاصمة ملكهم ومستقر عزهم، بجنود أقل من جنودهم عددا وعدة، وهم في كل مرة يواتيهم الظفر ويسعفهم النصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت