الصفحة 34 من 108

(حمل المسلمون لواء الحرية إلى أمم الاستبداد) : كانت الممالك المجاورة للعرب قد تأصلت فيها جذور الاستبداد، وسقاهم أهلها الاستبعاد، وقد نسى الرومان اسم الحرية التي جاهد آباؤهم في سبيل إحرازها جهاد الأبطال، وانتزعوا حريتهم من أيدي الأباطرة إنتزاعا، وقد جاد الفرس بنفوسهم للملوك والرؤساء، واستبعدوا لأشراف البلاد، و قد تساوى الفرس والروم في فقدان مبدأ الاعتماد على النفس وحب الاستقلال الذاتي في أصول حياتهم وفروعها- ولكن العرب الذين جاسوا خلال ديارهم، وألقوا رحالهم بينهم جاءوا إليهم حاملين للحرية التي امتزجت بدمائهم، وخالطت جواهر نفوسهم، حتى بلغ من أمرهم أنهم لا يطيقون من أميرهم أن يتفوق عليهم في شيء من الأشياء، وقد شكا بعض العرب أبا موسى أمير البصرة؛ لأن له جارية يقال لها عقيلة يرفع لها جفنة لغدائها وجفنة لعشائها، وهم لا يقدرون على مثل ذلك- وقد كان من ورائهم عمر بن الخطاب يقيد العامة من الأمراء- ويقول بملء فيه على المنبر: من ظلمة أميره فلا إمرة له عليه دوني.

نفث العرب الفاتحون في روع البلاد المفتتحة روحا جديدة، وذوقهم حلاوة الحرية الشخصية، وأشعروا نفوسهم أنهم بشر، لا ينحطون في الحقوق العامة عن مرتبة الأمراء، حتى بلغ من أمر أحد المصريين أنه لما أهين من ابن عمرو بن العاص [1] أمير مصر شخص إلى مقر الخلافة يشكو ابن الأمير، فأقاده عمر منه دون محاباة ولا مجاملة لأبيه، ولا مراعاة لمكانته وسابقته، وحسن بلائه.

(العدل الشامل بين أناس ذاقوا مرارة الظلم أمد الدهر) : عدل شامل ينعم به المواتي، ويغتبط به العدو، ويفيضه عمر على الرعية ما بين برقة ونهر جيحون غربا وشرقا، وما بين القوقاز والأناضول شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا، لا يشعر أحد من الرعية بتميز أحد عليه إلا التقوى وحسن البلاء.

(1) عمرو بن العاص القرشي السهمي: يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبو محمد. أسلم قبل الفتح بستة أشهر، أمره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية ذا ت السلاسل، كما استعمله على عمان فلم يزل عليها إلى أن توفى النبي صلى الله عليه وسلم ثم سيره أبو بكر أميرًا على الشام، وولى فلسطين لعمر بن الخطاب ثم سار بجيش المسلمين وافتتح مصر، ولم يزل بها إلى أن مات عمر فأمّره عثمان عليها لمدة أربع سنين، شهد صفين، وهو أحد الحكمين، استعمله معاوية على مصر وظل بها إلى أن مات عام 43هـ. ابن الأثير: أسد الغابة 4/ 244 - 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت