الصفحة 29 من 108

أقرب إلى استكفاء غيره, والاعتماد على مشورة سواه, وهم لا يدرون من هؤلاء الذين سوف يكونون موضع المشورة.

ومن يميلون إلى اختيار عثمان يرون أن رقة ورأفة عثمان ربما يكون فيهما متنفس للناس بعد خلافة عمر التي اتسمت بالشدة والقوة والتقشف، وربما تكون شيخوخته سببا في تعاطف الناس معه وإشفاقهم عليه، مما يؤدي إلى تماسك الأمة ووحدتها [1] .

من هنا يتبين لنا أن المفاضلة ليست في مكانتهما ومنزلتهما في الإسلام، فكلاهما على خير، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، ومات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهما راض، وهما صهرا الرسول، ولن يتسع المقام هنا للحديث عن فضائلهما وكذا كوكبة الصحابة وأرى أننا لسنا في حاجة إلى هذا، ولكنني اجتهدت في هذا التحليل حتى لا يذهب فكر القارئ بعيدا فينزلق فكرة في شرك الفتنة.

(عبد الرحمن بن عوف: اللهم غني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه) : قال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن فيها أيها الرهط على أنفسكم سبيلا، ودعا عليا، فقال: عليك عهد الله ميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله، وسيرة الخليفتين من بعده؟ فقال: أرجو أن أفعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي [2] .

ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال: نعم، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في عثمان فبايعه.

(عبد الرحمن لعلي: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله ... على: قدر جهدي وطاقتي) : وخرج عبد الرحمن بن عوف وعليه عمامته التي عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه، حتى ركب المنبر، فوقف وقوفا طويلا، ثم دعا دعاء لا يسمعه الناس، ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني قد سألتكم سرا وجهرا عن إمامكم، فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين: إما علي، وإما عثمان. فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر، وأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه محمد

(1) النويري: نهاية الأرب 19/ 392.

(2) النويري نهاية ألرب 19/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت