وكانت رقية- رضي الله عنها-تنعم بقرب أبيها وزوجها في المدينة المنورة، إلا أن المرض لم يتركها فقد أصيبت بمرض الحصبة ولزمت الفراش في الوقت الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى بدر لقتال المشركين.
وسارع عثمان رضي الله عنه لامتثال الأوامر المحمدية، إلا أنه تلقى أمرا بالبقاء إلى جانب رقية-رضي الله عنها- لتمريضها، وامتثل لهذا الأمر أيضا بنفس راضية وبقي إلى جوار زوجه الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول اله صلى الله عليه وسلم إذ اشتد عليها المرض، وطاف بها شبح الموت.
وراح عثمان- رضي الله عنه- يرنو بعينين حزينتين إلى وجه رقية الذابل، فيغص حلقه بالألم، وترتسم الدموع في عينيه، وتنهال على رأسه الذكريات البعيدة. ورأى رقية- رضي الله عنها- وهي في الحبشة تحدث المهاجرات حديثا يدخل البهجة إلى النفوس، ويبعث الآمال الكريمة في الصدور، وتقص عليهن ما كانت تراه من مكارم أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحركت هذه الذكريات أشجان عثمان-رضي الله عنه- وزادت في مخاوفه، وكان أخشى ما يخشاه أن تموت رقية، فينقطع نسبه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت رقية- رضي الله عنها- تغالب المرض، ولكنها لم تستطع أن تقاومه طويلا فأخذت تجود بأنفاسها وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر، وتتلهف لرؤية أختها زينب في مكة، وجعل عثمان-رضي الله عنه- يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه [1] .
(ودعت نبض الحياة وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ودفنت بالبقيع) : وراحت الأفكار تجول في أقطار رأسه: أتموت رقية قبل أن يعود أبوها من غزوته؟! أتموت دون أن يكون آخر من تراه أبيها صلى الله عليه وسلم؟!
إن عثمان يكاد أن ينهار، لولا أنه يتجلد حتى لا يزيد من آلام رقية التي تعاني سكرات الموت.
(1) جمعة: نساء أهل البيت 491 - 504 بتصرف.