فإن الكثيرمنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جدا ً، ومنه الضارُّ غير النافع للبدن.
ولو لم يكن في كثرة النوم مصيبة إلا ضياع الوقت الثمين الذى هو رأس مال العبد الذى لا يملك غيره حقيقة ً لكفى بها مصيبه.
ومن أحسن ما قيل في قيمة هذا الوقت وأهميته ما قال ابن القيم في فوائده حيث قال"وضياع الوقت أشد على المؤمن من الموت فإن الموت يقطعه عن الدنيا وضياع الوقت يقطعه عن الله".
ولا شك أن للاعتكاف أثر بالغ في حفظ الوقت، وتهيئة مُناخ العزلة والوحدة والتبتل، وتقليل الطعام والشراب والنوم والمخالطه.
ولهذا قلنا إن وظيفة الاعتكاف الأولى لم شعث القلب وقطع الاشتغال بالخلق، حتى لا ينشغل القلب إلا بالله جل وعلا وبتحصيل مراضيه وما يقربه منه.
الحاجه إلى العكوف على سؤال الله المغفرة
قال عطاء: مَثَل ُ المعتكف كرجل له حاجة إلى عظيم، فيجلس على بابه، ويقول: لا أبرح حتى ُيغفر لى.
نحتاج للاعتكاف لحاجتنا الشديدة إلى أن نلزم باب الرجاء ونلح الطَرْق على أبواب السماء، حتى يفتح لنا، و كما قيل: من ألح الطرق ُفتح له.
بعدما أثقلتنا الذنوب وهتكت أستارنا العيوب واسودت من خطايانا الصحائف والوجوه والقلوب، نحتاج إلى أن نتوب، نحتاج إلى أن نقف وقفة ندم واستغفار بين يدى العفو الغفار، نحتاج إلى أن نقف وقفة المعترف بخطيئته، والتائب من كبيرته وصغيرته، وقفة العبد الأبق الذى أطال الهروب من سيده، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه، وعلم أنه لا منجا ولا ملجأ من الله إلا إليه، فرجع مطأطأ رأسه، يعلوه الندم والخجل، ويرتعد من الخوف والوجل، ولكن يدفعه الرجاء والأمل، لسان حاله يقول:
لئن جَل َّ ذنبى وارتكبت المأثما ... وأصبحت في بحر الخطيئة عائما
أجرُر ذيلى في متابعة الهوى ... لأقضى أوطارَ البطالة هائما
فها أنا ذا يارب ّ أقررت بالذى ... جنيت على نفسى وأصبحت نادما