فامتلاء القلب من دخان أنفاس بنى آدم حتى يسوَدَّ، ويوجب له تشتتا ً وتفرقا ً، وهما ً وغما ً وضعفا ً، وحملا ً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، و إضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتَقَسُّم فكره في أودية مطالبهم وإرادتهم، فماذا يبقى منه لله وللدار الآخرة؟! هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة؟! وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، واحلَّت من رزية، وأوقعت من بليّة؟! وهل آفة الناس إلا الناس؟!.
كم أهدرت مخالطة الناس من أوقات ثمينة كانت مطايا العبد في سيره إلى الله، فتخلَّف بذلك عن السائرين، وقعد مع القاعدين، وصار من الخوالف.
دخل بعض الناس على رجل من السلف فقالوا له: لعلنا شغلناك؟ فقال: صدقتم كنت أقرأ فتركت القراءة من أجلكم""
وقال أخر لأصحابه حرصا ً على أوقاتهم"إذا خرجتم من عندى فتفرقوا لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى أجمعتم تحدثتم".
قال بعض السلف: إذا طال المجلس صار للشيطان فيه نصيب.
فهذه بعض آثار كثرة المخالطة فانظر كيف تعوق العبدَ في طريقه إلى ربه، ولعل هذا ما دفع بعضَ أصحاب ابن السماك أن يكتب إليه:
"أما بعد. فإن الناس كانوا أدواءً يتداوى به فأصبحوا داءً لا يقبل دواءً، ففر منهم فرارك من الأسد، واتخذ الله مؤنسا ً، والسلام".
وأما ما يؤثره الإسراف في الطعام والشراب فيقول ابن القيم رحمه الله:"فإنه- أى الإسراف في الطعام - يثقله عن الطاعات، ويشغله عنها بمزاولة مؤنة البطنة ومُحاولتها، حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجارى الشيطان ووَسَّعَها، فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم، فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقه، والشبع يطرقها ويوسعها، ومن أكل كثيرا ً شرب كثيرا ً فنام كثيرا ً فخسر كثيرا ً وفى الحديث المشهور"ما ملأ آدمى شرا ً من بطنه"."
وأما تأثير كثرة النوم: