وأما الدرجة الثانية التى لابد للعبد من تحصيلها كى يصحَّ انقطاعه إلى الله ويكمل بعد الانقطاع عن الخلق، الانقطاع ُ عن النفس وهو أن يقطع العبد عن قلبه حظوظ نفسه المزاحمة لمراد الله منه، وحظوظ النفس هى ما سوى مراد الله الدينى منك كائنا ً ما كان، فقد يكون حظ النفس محرما ً أو مكروها ً أو مباحا ً أو مستحبا ً إلا أن غيره أحب الله منه، فينبغى على العبد أن يقدم مراد الله الدينى على مراده ولو كان مراده مباحا ً أو مستحبا ً،
فالانقطاع إلى الله لا يتم ولا يكمل إلا إذا قطع العبد عن قلبه حظوظ نفسه فلا يريد إلا ما أراده الله، ولا يحب إلا ما أحبه الله، ولا يقدم إلا ما قدمه الله، ولا يؤخر إلا ما أخره الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله فكله لله و بالله ومع الله.
فهكذا يعين الاعتكاف على التبتل والانقطاع إلى الله حيث تنقطع فيه عمن حولك، وتنقطع فيه عن حظوظك ورغباتك، فتدفعك هذه العباده دفعا ً نحو مرادك ومقصودك وهو القرب من رب العالمين.
الحاجه إلى قطع النفس عن الشواغل التى تقطع الطريق إلى الله
ذ َكرْنا أن الحاجة إلى الاعتكاف ترجع إلى ثلاثة أشياء، أولها ما مرَّ ذكره وهو الحاجه إلى التبتل والخلوة، والثانى هو الحاجه إلى قطع النفس عن الشواغل والقواطع التى تقطع على العبد سيره إلى ربه وتعطّله وربما تمنع وصوله إليه مطلقا ً.
وهذه الشواغل التى تحول بين العبد وربه، يحول الاعتكاف بينها وبين العبد، فيمنع اتصاله بها، ويُبطل عملَها وتأثيرها، حتى يشتدَّ سير العبد إلى ربه في زمن اعتكافه ويزداد قربه من الله، فإذا خرج من الاعتكاف بعد ذلك وقد تخلص من تأثير هذه الشواغل على قلبه وسيره، وازداد قربا ً من ربه، كان على الجادة سائر العام إلا أن تصيبه الأدواء والأمراض وتتصل به هذه الشواغل بعد ذلك.
ولتعرف خطورة هذه الشواغل ننقل لك ما قاله ابن القيم رحمه الله عنها في مدارجه حيث قال: