فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 21

وكان الفضيل رحمه الله يقول: كفى بالله محبًا و بالقرآن مؤنسًا و بالموت واعظًا، اتخذ الله صاحبًا، وذر الناس جانبًا.

فهذه الخلوة وهى الانقطاع عن الناس بالجسد من سنن الاعتكاف فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بخباء فيُضْرَب له في المسجد يخلو فيه بربه عز وجل.

أما الانقطاع عن الناس بالقلب فهو أن يقطع عن قلبه الالتفات إلى ما سوى الله، حبًا له أو خوفًا منه، أو رغبة فيه، أو مبالاة به، أو فكرًا فيه.

و هذا كله إنما يعين عليه التفرد و الخلوة في خباءٍ يحجبك عن الناسِِِ و يحجب الناسَ عنك، فيكفيك هَمَّ الاشتغال بنظرهم و مايؤدى إليه من رياء و تصنع، ويكون همُّكَ الأوحد هو مراقبة نظر الله إليك، وسمعه لمناجاتك، وعلمه بخطَراتك، فتعمل على توحيد ظاهرك وباطنك وإصلاح عملك وقلبك، وجمع نيتك على شىء واحد وهو أن يرى الله منك ما يحب، فتعبده وكأنك تراه، وهذا هو مراد الله من العبد وهو مرتبة الإحسان، وقد قال الله جل وعلا"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"وقال"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"، فإذا وجد الله منك إحسانا ً أثابك حلاوة تجدها في قلبك ولذة ً تشعر بها حين تسجد بين يديه، و أبدلك بأنس المخلوقين الذى هو في حقيقة الأمر وحشة وكرب، أنسًا ً به سبحانه لأنك تركت َ الخلق من أجله ومن ترك شيئا ً لله أبدله الله خيرا ً منه.

ولا أفضل البتة من الأنس بالله.

قال ابن القيم رحمه الله"فإن سرور القلب بالله وفرحه به وقرّة العين به، لا يشبهه شىء من نعيم الدنيا البتة، وليس له نظر يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين: إنه لتمرُّ بى أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنه في مثل هذا، إنهم لفى عيش طيب". وقال آخر: مساكينُ اهلُ الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا وما أطيب ما فيها؟، قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عمّا سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت