الأولى: الانقطاع عن الخلق.
الثانية: الانقطاع عن النفس.
فأما الانقطاع عن الخلق فهو انقطاع عنهم بالجسد، و انقطاع عنهم بالقلب.
فالانقطاع عن الخلق بالجسد هو الخلوة والوحدة، و الاعتكاف هو الخلوة الشرعية [1] .
فانقطاع المرء بجسده عن الناس يعنيه على انقطاع قلبه عنهم لذلك عرف بعضهم الاعتكاف بأنه"قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق"قال الإمام أحمد:
"رأيت الوحدة أروَحَ لقلبى".
وقال رحمه الله:"أشتهى ما لا يكون، أشتهى مكانًا لا يكون فيه أحد من الناس".
فخلوة الرجل بربه و انقطاعه عن الناس تعينه على أن يقطع قلبه عنهم و أن يصله بربه فيحدث الأنس المنشود.
قيل لبعضهم و كان كثير التفرد: أما تستوحش؟! قال: كيف أستوحش وهو يقول"أنا جليس من ذكرنى؟!"
وقال آخر: ما كنتُ أظن أن يستوحش مع الله أحد.
يقول الخطابى رحمه الله معلقًا على هذا الكلام:"ما أشرف هذه المنزلة، و أعلى هذه الدرجة، وأعظم هذه الموهبة، إنما لا يستوحش مع الله من عمر قلبه بحبه و أنس بذكره، و ألف مناجاته بسرِّه، و شُغِل به عن غيره، فهو مستأنس بالوحدة مغتبط بالخلوة".
قيل لبعضهم: أريد أن أصحبك، فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحب الأخر؟ قال: الله، قال: فليصحبْه الآن.
(1) اعلم أن العزلة قد تكون مشروعة إذا أدت لترك واجب أو كانت على هيئة مبتدعة، يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس"كان خيار السلف يؤثرون الوحدة و العزلة عن الناس اشتغالا بالعلم و التعبد إلا أن عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة و لا جماعة و لا عيادة مريض و لا شهود جنازة و لا قيام بحق، و إنما عزلة عن الشر و أهله و مخالطة البطالين، و قد لبس إبليس على جماعة من المتصوفة، فمنهم من اعتزل في جبل كالرهبان يبيت وحده و يصبح وحده ففاتته الجمعة و صلاة الجماعة و مخالطة أهل العلم".