فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 21

فقد حرص رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذه العبادة الجليلة و حرص عليها أصحابه من بعده، و ذلك لأهمية هذه العبادة البالغة، فإن صلاح القلب و استقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفٌ على جمعيته على الله، و لَمَّ شعثه بإقباله بالكلية على الله، و هذه وظيفة الاعتكاف.

يقول بن القيم رحمه الله في الزاد"و شرع لهم الاعتكاف الذى مقصوده و روحه عكوف القلب على الله تعالى و جمعيته عليه و الخلوة به و الانقطاع عن الاشتعال بالخلق و الاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره و حبه و الاقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيستولى عليها بدَلها، و يصير الهم كله به، و الخطرات كلها بذكره، و التفكير في تحصيل مراضيه و ما يُقرِّب منه، فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، و لا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم)."

فالعبد يحتاج إلى الاعتكاف كما يحتاج الى مطية سريعة تقطع به بعض مراحل سفره في زمن قصير حتى توقفه على مشارف مراده و مقصده، وقد يحتاج إليه كما يحتاج المسافر المسرع الذى اختلطت عليه الطرق و كاد أن يدخل التيه إلى أن يقف وقفة، يتبصر بها طريقه، و يحدد بها مراده و إلا سار يتخبط خبط عشواء.

و بالجملة فإن احتياج العبد الى الاعتكاف يرجع الى ثلاثة أشياء:

-حاجة العبد إلى الخلوة و التبتل حتى يحدث الأنس بالله و يذوق حلاوة القرب منه.

-حاجة العبد إلى أن يقطع عن نفسه الشواغل التى تصدُّه عن طريقه لكى يجمع القلب و الهمَّة على السيرإلى الله.

-حاجة العبد إلى العكوف على سؤال ربه المغفرة حتى يمُنََّ الله بها عليه.

الحاجة إلى الخلوة و التبتل

قال الله تعالى"واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا".

التبتل هو الانقطاع، فقوله جل وعلا"وتبتل إليه تبتيلا"أى انقطع لعبادته انقطاعًا.

و الانقطاع لله لا يكون إلا بعد درجتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت