وثانيا: لا يحتج بما يقع في الوجود، على أنه مشروع، كما تقدم، وقد وقع في تاريخ ملوك الإسلام من المخالفات الشرعية ما الله به عليم، وليس هذا بحجة.
وأما زعم الزاعم إقرار العلماء لوجود الفرق الضالة، فلم يقرّوه، بل أنكروا عليهم بدعهم، وبيّنوا ضلالهم وحذّروا منهم، كما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم) .
ولا أعلم عالما من أهل السنة، أباح لسلطان أن يشرّع لأهل البدع والضلالة تشريعا يسمح لهم بالدعوة إلى منكراتهم وبدعهم، أو ينصب لهم منبرًا يمكنهم من ذلك، كيف وقد أمر الله تعالى بإنكار المنكر إن ظهر، وجعل ذلك من أعظم واجبات الدين، وجعله حقا عاما للمسلمين؟!!
ولهذا كان عمر رضي الله عنها يعاقب على إظهار منكرات البدع أشد العقوبة، وكان في ذلك قائما بالقسط، حاكما بالعدل، عاملا بالكتاب، كما فعل بصبيغ بن عسل.
وقد اتفق العلماء على وجوب منع أهل البدع من إظهار بدعهم، وأن السلطان يكون مفرطا فيما يجب عليه إن لم يفعل، كما اتفقوا على وجوب قتال أهل البدع إن كانوا طائفة ممتنعة، وتنازعوا هل يجوز قتل الواحد منهم:
قال شيخ الإسلام:"وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة فقد روي عنهما - أعني عمر وعليا - قتلهما أيضا، والفقهاء وإن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء فلم يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين"
وأما الرد على من زعم أن عليا رضي الله عنه أباح للخوارج الدعوة إلى ضلالهم، ومكّنهم من ذلك، فنذكر أولا الرواية، ثم نبيّن بطلان هذا الاستدلال.
قال ابن كثير رحمه الله:
"ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا رضي الله عنه بالعداوة والمخالفة وقتال علي إياهم وما ورد في ذلك من الأحاديث."