فنظرا لكون المدينة، ليست مفهوما معاصرا، أو فكرة مستحدثة، ولكن النظرة إليها هي التي يمكن أن تتّسم بالحداثة والمعاصرة، أو بالرجعية والقِدم، وكونها ليست مفهوما سكونيا جامدا، بل صيرورة متطوّرة، وكونها قبل أن تكون بناء معماريا وشكلا هندسيا فارغا، هي جملة من العلائق والأعراف والمواضعات المتطورة. نظرا لهذا كلّه، جاء المدخل بمثابة التمهيد الذي أجهد نفسه لوضع القارئ في الجوالعام للبحث، وربط الظاهرة - ظاهرة المدينة- بجذورها التاريخية، اعتقادا منّا بأننّا لا نستطيع تفسير ظاهرة أدبية ما، وإعطاءها حقها من التمحيص والتدقيق، إلا بربطها بجذورها التاريخية والحضارية، وواقعها الذي أنتجها، والظروف التي أو جدتها، ففي هذا وحده فقط تتأكد أصالتها، وتنتفي تبعيتها. ولقد كان هذا الطموح باعثا قويا على إطالة هذا المدخل والتوسّع فيه، وهذا التوسّع له ما يبّرره، إذ أننا حاولنا جاهدين البحث عن معنى المدينة في اللاوعي العربي - الإسلامي، وعن الموقف التقليدي منها عقيديا فلسفيا وشعريا، ولم نرد أن ننساق وراء تلك الطّروحات المتعجّلة أو الكسلى، التي لا ترى في بروز الظاهرة عندنا إلاّ تأثرا محضا بالغرب فحسب، وعلى الأخص بالمدينة الإليوتية.
لقد حاولنا في هذا المدخل أن نعطيَ صورة جامعة عن فكرة المدينة في الأدب والفلسفة والدين، ضمن تدرجها التاريخي، وهذا بعد تعريفها والالماع إلى وجودها. ولم يكن قصدنا في ذلك تقديم مسح شامل ومفصل، أو تقديم بانوراما عنها عبر العصور، فهذا أمر يصعب إن لم نقل يستحيل تحقيقه بجهد فردي، فكل ما كنّا نطمح إليه هو إطلالة خفيفة هدفها الذِكر لا الحصر، تكون بمثابة الأرضية التي يُستطاع من خلالها تحديد الموقف من الظاهرة راهنًا وهضمه. ولم ننس في ذلك بيان إرهاصاتها في الشعر والفكر الغربي القديم فتكوّنت لنا ضمن ذلك مباحث تمثّلت فيما يلي: