فكثير من هذه النقود لا تكاد تخرج عن تيارين نقديين يحكمانها، ويوجّهانها، وهما لسوء الحظ- على قدر كبير من البروز والسّيطرة والانتشار. فأمّا الأول، فإنّه لا يكاد يقوم إلاّ على العلاقات الشخصية التأبينية التقديسية، التي كثيرا ما تكون حاسمة في بلورة الخطاب النقدي، الذاتي الانطباعي غير المؤسَّس موضوعيا وفاعلة في توجيه مساره غير المجدي. وأما الثاني فإنّه ينطلق في أحكامه وتأسيسه النقدي من مقولات جاهزة، وأساسيات تكهنية افتراضية، مع بعض الاستثناءات المضيئة التي هي للأسف جدّ قليلة.
ولعلّ هذا الفقر النقدي، يعود بالدرجة الأولى، إلى غياب الذهنية التحليلية التي من شأنها أن تسعى إلى استكشاف فجوات النص، وملء الفراغات النصّية فيه، والتدرّج بجماليات التلقّي إلى خلق إمكانات دلالية قائمة على الحوار المفتوح في افتراضاته وإجراءاته النقدية، ضمن ما تقتضيه طبيعة التعدّد والتحوّل في القراءة.
وهناك اتجاه ثالث غير ذَيْنك الاتجاهين، بدأ في الظهور مؤخَرا، ولكنّه لا يكاد يخرج في مجمله، عن سابقَيه، في عدم الفعالية، وهوأن يعمد الناقد إلى شحن نصوصه النقدية بالمصطلحات الغربية. فكثير من نماذج هذا الاتجاه، كانت غير فاعلة، لكونها غير متسلحة بالوعي الحضاري والمعرفي الشامل، وغير مؤسّسة على الاستيعاب الدقيق. وربما كان ضرر هذا الاتجاه أخطر من ضرر التيارين السابقين، لكونه غريبا عن واقعنا ودخيلا علينا.