فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 457

فالعملية الإبداعية الحداثية، بوصفها بنية لغوية قائمة على منطق المفاجآت الغريبة، والتكاثف الدّلالي المعقّد، والإيقاع الدرامي المشحون بعذاب الذات على جميع المستويات الحياتية، تُكَوِنُ لنا عالما كتومًا على أسراره، متأبٍّ على الانفتاح اليسير، متمرّدا على القوالب الجاهزة، والأدوات الإجرائية القديمة العاجزة. إنّها تفترض من الناقد، ممارسة واعية حذرة، ومواجهة متسلّحة بالثقافي والتجريبي، والابتكاري التخييلي. كما تقتضي منه الولوج إلى الداخل، إلى سريرية النصّ، وإضماره، والتفتيش عن الغائب فيه، عن البعد الممتنع عن التكشّف، تقتضي منه أن يمتلك أدوات قرائية كشفية، تتعدّد بتعدّد مستويات النص ودلالته الشاملة، الكائنة والممكنة، الحاضرة والغائبة، الثابتة والمتحوّلة على حدّ سواء. تقتضي منه أن يستند في قراءته إلى رؤية كشفية، قادرة على خلق مصطلحاتها، والعمل على تأصيلها واستقرارها، وقادرة على التحكّم في أدواتها الإجرائية.

ولكن حال واقعنا النقدي الحاضر يبدوأنّه لم يصل بعد إلى هذا المستوى - في كثير من إنتاجه - بعكس الواقع النقدي القديم [1] - فقد تبيّن لنا من خلال قرائتنا المتأنّية لكثير من الخطابات النقدية المتصلة - خصوصا - ببحثنا من قريب أو بعيد، أنّ غياب المنهج النقدي الحصيف يكاد يكون ظاهرة عامة وبارزة فيه.

(1) *- لقد كان الناقد العربي قديما، يمتلك وعيا نقديا نفّاذا، وأدوات إجرائية قادرة على احتواء النص المبدع، كما كانت له مصطلحاته الأصيلة النابعة - أساسا- من واقعه وبيئته وحضارته . راجع على سبيل المثال: عبد القاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز) خاصة، والسكاكي في كتابه (مفتاح العلوم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت