من أجل هذا فإنّ القراءة الجادّة، التي تطمح إلى مواكبة روح النص الشعري، دون محاولة اختزاله، وتأمل في تفجير إمكاناته الدلالية، وإثراء عطاءاته، من خلال النفاذ إلى مكنوناته الاستعارية والمجازية، وإماطة اللّثام عن تأثيراته، وفاعليته في التغيير والتأسيس، لا بدّ أن تعمد إلى خرق فضاء النص المفتوح والولوج إلى عالم الاندماج بين الذات والمطلق، لتحديد هو ية النص في قراءته المتعدّدة ضمن مستوياته الدّلالية، وتلك طبيعة كلّ نصّ في تنوّع تضاريسه.
وعلى الرّغم من أنّ الكثير من النّقاد يزعمون أنّ الشّعر لا يحتمل الفكر والثقافة، وأنّه لا يعدوالحالة الحدسية والإبداعية المستمدة من ذاتها، فإنّنا نؤكّد، أنّ تلك النظرية يعتريها الكثير من القصور، لكونها ما تزال مشدودة إلى تلك القراءة اللّغوية التاريخية، ذات النمطية القديمة، المتلقِّفة للمعاني المسطّحة للنص. غير المتوغِّلة في أبعادها الداخلية، ولكونها ما تزال أسيرة النّمط الفيللوجي والتفسير الأخلاقي، أو البلاغي في أحسن الأحوال بوصفها الوجه الظّاهر للنص.
إنّ النص الحداثي هو نصّ الفكر والمعرفة المعقدة، والثقافة المتعددة الروافد، ولذلك نستطيع القول ما من شاعر كبير إلاّ وهومفكّر كبير ومثقّف كبير، شريطة أن تتحدّ ثقافته وتنصهر وتذوب فيه وتغذّي معاناته وتتغذّى منها، وبناء عليه فما من ناقد كبير إلاّ وهومثقّف ومفكر كبير، على أن يكون متسلّحا بالوعي الحضاري، قادرا على الإفادة الواعية من حقول المعرفة الإنسانية المختلفة، مستطيعا خلق المصطلحات الأصيلة المرتبطة ببيئته وحضارته، والمساعدة على بلورة أفكاره وطروحاته.