فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 457

لقد أسس الإنسان القديم - والإغريقي منه على وجه الخصوص مدينته من أجل تلبية حاجياته الجسدية منها والنفسية، فكانت"رابطة اجتماعية تشدّ ساكنيها إلى ساحتها بغرض التعامل التجاري والجدال الفلسفي" [1] وكان الاتصال فيها سهلا وقضاء الحاجات يسيرا، خاليا من كلّ تعقيد، لأنها كانت تنشأ"متنامية حول ساحة أو شارع رئيسي" [2] في شكل تجمع طبيعي بطيء، يتكدس حولها البناء كيفما اتفق ويسكن فيها الناس على هواهم. ولذا كان التقارب بينهم دائما والتواصل مستديما.

ونظرا لأهمية هذه الرابطة الاجتماعية وحميميتها، فقد حدد أرسطومحيط المدينة بما لا يزيد عن سماع صوت، أو استفائه، حتى لكأن الأمر بالنسبة إليهم يعتبر تجسيدا لفعل التنظيم، وتحقيقا لنظام الجمال الأرضي، وعلاقة ذات نمط حضاري مميز من حيث كونها أساسا للنبع الثقافي، ومركزًا للتعامل الإداري لتسيير شؤون الحكومة وما يتولد عنها، وأكثر من ذلك فإن طبيعة المدينة على هذا النحوهي مسرح محاورات سقراط، كما أتى على صياغتها أفلاطون، يتحكم فيها الوسط التقليدي الملطف [3] الذي تفاعل معه سكانها على اعتبار أنه يجذب إليهم - بسخاء- كل ما يحتاجونه دون عناء. ولذلك أحبّوها وارتبطوا بها ارتباطا روحيا عميقا، فكانت المدينة هي بيت المجتمع، والشارع بهوالجميع، الكلّ يتفانى في خدمتها، ويعمل على حفظ جمالها وإدامة استقرارها، ويبذل أغلى ما لديه للدفاع عن أمنها الداخلي والخارجي.

(1) - محمود شريح، تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، الفكر العربي المعاصر العدد 10، شباط 1981، ص 89.

(2) - الإنسان والمدينة في العالم المعاصر، ص 5.

(3) - ينظر محمود شريح، تجربة المدينة في شعر خليل حاوي، الفكر العربي المعاصر، ع 10، شباط 1981، ص 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت