فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 457

فالتاريخ القديم يروي الكثير عماّ كانت تتعرض له المدن من غارات وحرائق، وما تدلف إليه من انزلاقات أخلاقية وفساد، الأمر الذي حدا بأفلاطون إلى إقرار وجوب تشديد النظام وتوفير الأمن الداخلي والخارجي وتحقيق العدالة، وتأسيس المدينة المثالية الفاضلة.

1 -أفلاطون والمدينة اليوتوبيا:

يقرر أفلاطون أن الاجتماع ظاهرة طبيعية ناشئة من تعدد حاجات الفرد وعجزه عن قضائها بمفرده، و"لذلك تألف الناس أولًا جماعات صغيرة تعاونت على توفير المأكل والمسكن والملبس، ثم تزايد العدد حتى ألفوا المدينة" [1] وتعقدت الحياة نسبيا وكثرت المطالب"فلم تستطع أن تكفي نفسها بنفسها، فلجأت إلى التجارة والملاحة"2، محاولة توفير الضروري فقط مع المحافظة على قيمها السامية من قناعة وسماحة، وهذه المدينة هي المدينة البشرية الأولى"مدينة الفطرة، مثال البراءة السعيدة، ليس لها من حاجات إلاّ الضروري"3.

ولكن هذه الفطرية في التعامل والتلقائية في الاجتماع لم تدم، فما لبثت أن تعقدت الحياة وابتعدت عن طبيعتها الأولى، واستحدثت أشياء جديدة فتفطن الناس إلى جمال الترف والفن، فنبتت فيهم حاجات جديدة، واستحدثوا صناعات لإرضائها، وضاقت الأرض بمن عليها" [2] وكان بذلك انقضاء العصر الذهبي عصر الفطرة والتلقائية، وفسدت طبائع النفوس وازداد طمعها"فنشبت الحروب وتألفت الجيوش"5 وساد الظلم وإنعدمت العدالة وكانت هذه المدينة هي المدينة الثانية، وهي مدينة متحضرة ذات طابع عسكري عنيف ."

(1) -2- 3- أبو نصر الفارابي: كتاب الجمع بين رأيي الحكذيمين، تقديم وتعليق د/ ألبير نصري نادر ط3، دار المشرق، بيروت، ص16.

(2) 4 -5- م.س، ص16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت