الصفحة 29 من 43

أما الصَّبا؛ فمن طبيعتها اللِّين مع البرودة، ولكن ليس من طبيعتها الإهلاك. ومع كل هذا فقد زلزلتهم، وقلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وأكفأت قدورهم، إضافة لما أوقعت في قلوبهم من البرد والخوف، ثم كانت الهزيمة.

3 -لما علم الله تعالى رأفة نبيِّه الكريم - صلى الله عليه وسلم - بقومه؛ رجاء أن يسلموا: سلَّط عليهم الصبا، فكانت سببَ رحيلهم عن المسلمين، لما أصابهم من الشدة، ومع ذلك لم تهلك منهم أحدًا، ولم تستأصلهم. اهـ من الفتح [1] .

لذا أقول: لا تناسب بين الرحمة للعالمين، الرحمة المهداة - صلى الله عليه وسلم -، وبين الدعاء بالإهلاك، لذا ناسب أن يدعو عليهم بالزلزلة والهزيمة والنصر عليهم، ليتم مراد الله تعالى بعد قليل، وقد اتضح ذلك من أمرين:

أ ـ حصول المودة بين المؤمنين وعلى رأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين زعماء قريش، بعد انتهاء المعركة بفترة قصيرة.

قال الله تعالى: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [2] . والرجاء من الله تعالى ومن رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - دالٌّ على التحقّق والوقوع، كما هو معلوم.

ـ فقد تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة رضي الله تعالى عنها بنت أبي سفيان قائد الأحزاب ـ بعد هذه الغزوة بقليل، لذا قال أبو سفيان ـ بعد سماعه الخبر عن النبي المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - ـ: هو الفحل، لا يُقدع أنفه.

(1) فتح الباري (2: 521) .

(2) سورة الممتحنة: (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت