ومن الدلائل التي برزت يوم الخندق: رحمة النبي المصطفى الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالأحزاب يوم الخندق، مع أنهم كفّار مقاتلون أعداء، يريدون قتله - صلى الله عليه وسلم -، والقضاء عليه، وقتْل أصحابه رضي الله تعالى عنهم، والقضاء على الإسلام، وقد ظهرت رحمته في أمور كثيرة، منها:
1 -دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - على المشركين بالهزيمة والزَّلزلة، ولم يدْعُ عليهم بالهلاك والفناء، كما مر في حديث ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه، المتفق عليه.
2 -نَصْره - صلى الله عليه وسلم - بالصَّبا، ولم يُنصَر بالدَّبور، مع أن الصَّبا ليس من شأنها الإهلاك، ولو أراد الله تعالى إهلاكهم لسلَّط عليهم ريح الدَّبور، فهي أشد من الصبا، ومن شأنها الإهلاك، ولذلك أُهلكت عاد بالدّبور.
قال الله تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [1] .
وقال جل شأنه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [2] .
علمًا بأن الذي أُخرج من الدَّبور للقضاء على قوم عاد ـ ما جاء في روايات متعددة ـ: هو بمقدار الخاتَم ـ أي لم يفتح من بابها الذي تهب منه إلا بمقدار الخاتم ـ كما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى [3] ـ ومع ذلك أهلكتهم، ولم تُبقِ منهم أحدًا، كما قال تعالى {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}
(1) سورة الحاقة: (6 ـ 8) .
(2) سورة الأحقاف (24 ـ 25) .
(3) فتح الباري (6: 377) .