وفي حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، فأخذ - صلى الله عليه وسلم - المعول فقال: (بسم الله) فضرب ضربةً فكسر ثلثَ الحجر، وقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله، إني لأبصر قصورَها الحمرَ من مكاني هذا) ثم قال: (بسم الله) وضرب ضربةً أخرى، فكسر ثلثَ الحجر، فقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح فارس، والله، إني لأبصر المدائنَ، وأُبصر قصرَها الأبيضَ من مكاني هذا) ثم قال: (بسم الله) وضرب ضربةً أخرى، فقلع بقيةَ الحجر، فقال: (الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ اليمن، والله، إني لأبصر أبوابَ صنعاء من مكاني هذا) رواه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي وأبو يعلى، وأبو نعيم والبيهقي، وحسنه الحافظ. وبنحوه عند من عزوت لهم.
ـ إن هذه رؤية عين عن حقيقة، حصلت معه - صلى الله عليه وسلم -، كما حصل نظراؤها من قبل ومن بعد. كما في رؤيته - صلى الله عليه وسلم - بيت المقدس وهو في مكة، ورؤيته الحوض وهو في المدينة على المنبر، وغيرهما كثير.
ـ ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأت تلك البلاد من قبل، ومع هذا فقد عرف ألوان تلك القصور، وأسوار تلك البلاد؟ إنه الوحي لا غير.
ـ ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - يتحدّث عن أمر غيبيٍّ مستقبليٍّ، بصيغة الماضي، ليحقّق الواقع، وهو ما سأذكره في الفقرة التالية إن شاء الله تعالى.
ـ ثم لا تناقض بين تلك الأحاديث ـ ولله الحمد والمنة ـ ذلك لأن فارس تمثّل العراق، لأن المدائن تقع شرق العراق، والروم تمثّل الشام، فيرجع الأمران إلى الأمر الأول.
ـ ثم إن هذه بشارة من النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بفتح تلك البلاد، وبقائها على الإسلام والسنة، إن شاء الله تعالى، وإن مر عليها ما ينغصها.