الصفحة 39 من 112

ولهذا قال رجل للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا رسول الله! أوَ يضحك ربنا؟ قال: نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا [1] .

إذا علمنا ذلك، انفتح لنا الأمل في كل خير، لأن هناك فرقًا بين إنسان عبوس لا يكاد يُرى ضاحكًا، وبين إنسان يضحك.

وقد كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم دائم البِشر كثير التبسم عليه الصلاة والسلام.

صفة اليد

قال الورداني ص74: ويروى: يد الله ملأى لا يغيضها نفقة.

الجواب: أهل السنة والجماعة يُثبتون يدًا حقيقية لله تعالى والإثبات نفي الماثلة بين الخالق تبارك وتعالى والعبد.

وقد أجاب العلامة ابن عثيمين - رحمه الله تعالى وغفر له - على أمثال هذه الفرية فقال في"شرح العقيدة الطحاوية"ص255 وما بعدها:

فإذا قال قائل: أنتم تثبتون أن لله تعالى يدًا حقيقية، ونحن لا نعلم من الأيدي إلا أيادي المخلوقين، فيلزم من كلامكم تشبيه الخالق بالمخلوق.

فالجواب أن نقول: لا يلزم من إثبات اليد لله أن نمثل الخالق بالمخلوق لأن إثبات اليد جاء في القرآن والسنة وإجماع السلف، ونفي مماثلة الخالق للمخلوقين يدل عليه الشرع والعقل والحس:

-أما الشرع، فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [2] .

-وأما العقل، فلا يمكن أن يماثل الخالق المخلوق في صفاته، لأن هذا يُعدّ عيبًا في الخالق.

-وأما الحس، فكل إنسان يشاهد أيدي المخلوقات متفاوتة ومتباينة من كبير وصغير وضخم ودقيق .. إلخ، فيلزم من تباين أيدي المخلوقين وتفاوتهم مباينة يد الله تعالى ليدي المخلوقين وعدم مماثلته لهم سبحانه وتعالى من باب أولى.

هذا، وقد خالف أهل السنة والجماعة في إثبات اليد لله تعالى أهل التعطيل من المعتزلة والجهمية والأشعرية ونحوهم، وقالوا: لا يمكن أن نُثبت لله يدًا حقيقية، بل المراد باليد أمر معنوين وهو القوة!! أو المراد باليد النعمة لأن اليد تُطلق في اللغة العربية على القوة وعلى النعمة.

ففي الحديث الصحيح حديث النواس بن سمعان الطويل:"أن الله يوحي إلى عيسى أني أخرجت عبادًا لي لا يَدَان لأحد بقاتلهم" [3] ، والمعنى: لا قوة لأحد بقتالهم، وهم يأجوج ومأجوج.

وأما اليد بمعنى النعمة، فكثير، ومنه قول رسول قريش لأبي بكر:"لولا يد لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك" [4] يعني نعمة.

وقول المتنبي:

وكم لظلام الليل عندك من يد ... تُحدّث أن المانوية تكذب

والمانوية: فرقة من المجوس الذي يقولون: إن الظلمة تخلق الشر، والنور يخلق الخير، فالمتنبي يقول: إنك تعطي في الليل العطايا الكثيرة تدل على أن المانوية تكذب، لأن ليلك يأتي بخير.

والمراد بيد الله: النعمة، وليس المراد باليد اليد الحقيقية، لأنك لو أثبت لله يدًا حقيقية، لزم من ذلك التجسيم أن يكون لله جسمًا، والأجسام متماثلة، وحينئذ تقع فيما نهى الله عنه في قوله: {فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ} [5] .

ونحن أسعد بالدليل منك أيها المُثبت للحقيقة!! نقول: سبحان من تنزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض!! لا تجد مثل هذه السجعة لا في الكتاب ولا في السنة.

وجوابنا على هذا من عدة وجوه:

أولًا: أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفًا لظاهر اللفظ، فهو مردود، إلا بدليل.

ثانيًا: أنه مخالف لإجماع السلف، حيث إنهم كلهم مجمعون على أن المراد باليد اليد الحقيقية.

فإن قال لك قائل: أين إجماع السلف؟ هات لي كلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي، يقولون: أن المراد بيد الله اليد الحقيقية!.

أقول له: ائت لي بكلمة واحدة عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو غيرهم من الصحابة والأئمة من بعدهم يقولون: أن المراد باليد القوة أو النعمة.

فلا يستطيع أن يأتي بذلك.

إذًا، فلو كان عندهم معنى يخالف ظاهر اللفظ، لكانوا يقولون به، ولنقل عنهم، فلما لم

(1) أخرجه الإمام أحمد ج‍ص11 - 12.

(2) الشورى: 11.

(3) رواه مسلم / كتاب الفتن / باب ذكر الدجال.

(4) رواه البخاري / كتاب الشروط / باب الشروط في الجهاد.

(5) سورة النحل: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت