يقولوا به، عُلم أنهم أخذوا بظاهر اللفظ وأجمعوا عليه.
وهذه فائدة عظيمة، وهي أنه لم ينقل عن الصحابة ما يخالف ظاهر الكتاب والسنة، فإنهم لا يقولون بسواه، لأنهم الذين نزل القرآن بلغتهم، وخاطبهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بلغتهم، فلابد أن يفهموا الكتاب والسنة على ظاهرهما، فإذا لم يُنقل عنهم ما يخالفه، كان ذلك قولهم.
ثالثًا: أنه يمتنع غاية الامتناع أن يُراد باليد النعمة أو القوة في مثل قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [1] لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط، ونِعم الله لا تُحصى!! ويستلزم أن القوة قوتان، والقوة بمعنى واحد لا يتعدد، فهذا التركيب يمنع غاية المنع أن يكون المراد باليد القوة أو النعمة.
هب أنه قد يمكن في قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [2] أن يراد بهما النعمة على تأويل، لكن لا يمكن أن يُراد بقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} النعمة أبدًا.
أما القوة فيمتنع أن يكون المراد باليدين القوة في الآيتين جميعًا، في قوله {بَلْ يَدَاهُ} وفي قوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، لأن القوة لا تتعدد.
رابعًا: أنه لو كان المراد باليد القوة، ما كان لآدم فضل على إبليس، بل ولا على الحمير والكلاب، لأنهم جميعًا خلقوا بقوة الله، ولو كان المراد باليد القوة، ما صح الاحتجاج على إبليس، إذ أن إبليس سيقول: وأنا يا رب خلقتني بقوتك، فما فضله علي؟.
خامسًا: أن يُقال: أن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة، فجاء فيها الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين، وكل هذا يمتنع أن يُراد بها القوة، لأن القوة لا تُوصف بهذه الأوصاف.
فتبين بهذا أن قول هؤلاء المحرفين الذين قالوا: المراد باليد القوة باطل من عدة أوجه.
وقد سبق أن صفات الله عزَّ وجلَّ من الأمور الخبرية الغيبية التي ليس للعقل فيها مجال، وما كان هذا سبيله، فإن الواجب علينا إبقاؤه على ظاهره، من غير أن نتعرض له. اهـ.
إن استنكار الورداني لهذه الصفة نابع من الجهل وإلا فإن قومه يثبتون هذه الصفة، وقد وردت هذه الصفة في كتبهم، وإليك نماذج منها لئلا يتبجح الورداني ويقول إن هذا كذب على قومه.
روضة الواعظين: ص426، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه مما في يديه.
(1) سورة ص: 75.
(2) سورة المائدة: 64.