سمعت الصوت مرة أخرى .. إنه صوته .. سكتّ ! .. ثم أجبت: ماذا بعد ؟! ماذا يريدون بي ؟
نزلت إلى الطابق السفلي .. وآثار الصفعة الموجعة ما زالت تعلن عن إصرارها على البقاء على وجهي الحزين .. شعرت بوجوده دون أن أنظر إليه .. أجبته وأنا أنظر إلى أصابعي المرتعشة:
ـ نعم .. بم تأمرني ؟!!!!!
نظر إلى ما تركه من أثر في وجهي .. اقترب قليلًا ليتأكد منه .. ثم تنهد .. ومشى بخطواته الثقيلة إلى مكان وجود أكواب الماء وأخذ كوبًا وقدّمه إلي وهو ينظر بمكر دون أن يحاول إخفاء نبرة البرودة التي تشعّ من صوته .. ثم جاء بجالون ماء كبير وسكب في كأسي وقال آمرًا ..
ـ تفضلي بشرب هذا الماء ..
نظرت إلى الجالون في يده .. عدت بذاكرتي إلى الوراء قليلًا .. أين شاهدته ؟
لقد رأيته في مكان ما بهذه الإشارة الحمراء .. نعم .. نعم تذكرت !! ..
إنه الماء الذي تخاطفته النسوة في العزاء ! .. كيف أتى به إلى هنا ؟ ماذا حدث ؟
شعرت بأنها محاولة منه لامتحان ذكائي وقدرتي على الملاحظة .. لأنه وضع الجالون أمام عيني .
حاولت التصرف برزانة .. فقلت وقد رفعت نظري إليه:
ـ عذرًا .. لا رغبة لي في شرب الماء الآن .. لقد شربت للتوّ كأسين من الماء .. أعتذر عن شربه ..
قاطعني بحدة:
ـ ولكنك ستشربين .. أليس كذلك .. ؟!
دخلت أمه وأخوته في هذه اللحظة .. مسحت جبيني بالمنديل .. وهممت بالاحتجاج ..
وهنا بادرني كمن قرأ أفكاري .
ـ قلت: ستشربين !! أم أنك ستعارضيني على ذلك أمام أهلي جميعًا ؟!
أشعر بأن هذا الماء يحوي شيئًا ما لا أعرفه ! .. أردت الاعتذار ثانية .. وفعلت .. ولكن اعتذاري هذه المرة كان عن طريق عيني اللتين تضرعتا للجميع بأن يقنعوه بأن يتركني وشأني ..
وعرفت أن لا فائدة ترجى منه أو منهم !!
شربته !!!!!! .. لم أبقِ فيه قطرة واحدة .. فلمعت عيناه بالانتصار العظيم .. وازداد انكسار قلبي وألمه .. فقال مبتهجًا ضاحكًا: